ذكرى ليلة بيضاء

العدد: 
15074
التاريخ: 
الأحد, نيسان 15, 2018

لم يمنعني هذا الأبيض المتساقط على الأرض من أخذ ساعة تنفس بعيدة عن سجن الحياة ولم أنتبه حين هممت بالخروج بأنني لم أرتد إلا كنزة سوداء قطنية وبنطالي الجينز الرقيق ولم أكترث بخروجي دون مظلة أو شال صوفي ألفه على رقبتي التي تشبه غصناً يابساً
كان وخز الهواء البارد كإبر صينية مؤلمة لكن الهواء كان منعشاً فقد التزمت كل الناس، ببيوتها ولم يشاركني بهذا النقاء أحد ، لم أفعل شيئاً بحياتي وكان له أثر إلا دعسة أقدامي على الثلج هي الوحيدة التي علّمت مكانها كنت سعيدة بهذا فأصبحت أذهب  يمينا وأعاود شمالاً أمضي للأمام وأعود للخلف و كأنني أرقص السامبا .
لا أعلم من أين هبت هذه النسمة الصيفية الحارة ربما من حنيني الذي يداهمني كلما هطل الثلج أو ربما هي نار الوجع التي أحرقني بها هذا المعتوه فقد أوقفني ذكره عن الرقص وتجمد جسدي المتعرق فشعرت ببرد قارس جعلني أرتجف .
كانت ليلة باردة تساقط فيها الثلج عندما خرجت باكية من ذلك المطعم ..أسرعت في خطواتي وارتميت على الأرض كنت غير متوازنة أو ربما الثلج المتكدس سحب من تحتي غطاءه فبقيت جالسة ألهث من وجعي وأتذكر كيف أوقف مسيري في يوم صيفي جميل:
- لو سمحت ؟ قلت له تفضل :
- قال أود أن أسألك عن الوقت فساعتي توقفت عن العمل ورفع يده ليريني إياها.. ابتسمت وطلبت منه أن ينتظرني حتى أخرج هاتفي من حقيبتي فأنا لا أحب ارتداء الساعة
-    قال : كل هذه الأناقة ولا ترتدين الساعة .. قلت له وهل ترتبط الأناقة بلبس الساعة ؟
قال : نعم وتقدم خطوة وطلب مني أن أتبعه .. فعلت ما طلبه مني دون تردد وبدأ يتحدث معي عن الرجل ونظرته للأنثى والأنثى ونظرتها للرجل وكأني بمحاضرة يلقيها أحد العلماء النفسيين
كل ما أفعله هو تصديق كلامه بهز رأسي وعندما اقتربت من منزلي اعتذرت منه وتركته. انتبهت بعدها إلى هاتفي فهو مازال في يدي ونسيت أن أخبره عن الساعة
 دخلت إلى منزلي أرتب صور وجهه أمامي يا له من شعور غريب .
في اليوم التالي وأثناء عودتي من عملي ذات نبرة الصوت توقف مسيري يسألني عن الوقت
التفت إليه .. ابتسم وقال البارحة تركتني ولم تخبريني عن الساعة ؟
لاحظت أنه كان يتقصد إيقافي .. قلت له ماذا تريد ؟
قال أنا منذ فترة أراقبك بصمت ضعت في تفاصيل وجهك وها قد حان الآن موعد خروجي عن صمتي لأقول لك أني معجب بك .
لم أستطع أن أتكلم بأي حرف ربما عيونه رشت على وجهي سحرها اكتفيت بالابتسامة فقط
طالبتني يداه مرة أخرى أن امشي معه ..  كلامه المعسول ذوب روحي وهمس صوته دخل إلى قلبي الميت فجعله يعيش من جديد به .. شهور مضت وأنا أعيش الحب معه بكل جنونه ... كنت معلقة بين الأرض والسماء كفراشة فرح لا تريد أن تحط على الأرض ولا أن تطير إلى السماء .. إلا أن الريبة كانت تمسك بعنقي وتجلس على صدري وكأنها تريد خنقي شعوراً غريباً لم استطع تفسيره حتى جاءت تلك الليلة البيضاء فقد غطى الثلج كل شبر فيها فجأة يرن هاتفي أنه هو يطلب مني أن أرتدي أجمل ما عندي .. يريد أن أكون معه في عشائه الفاخر بمطعم لا يدخله إلا الأثرياء دخلت المكان كأميرة وجلست على طاولة قريبة من المدفأة الزجاجية كان الحطب فيها يحترق مثلي تماما فكيف بحالي وانا بين نارين .
نادى النادل وبدأ يعد أصناف الطعام الذي يريد لم أعرفه باذخاً إلى هذا الحد ،فالذي أراده يكفي عشرة أشخاص وأكثر ثم طلب شراباً معتقاً من نوع فاخر أيضا .
بدأت عيونه تسرح بي وتحدق بالنظر إلي ..عيونه تلك سبب ضعفي فكانت تصيبني بشيء من الارتباك فأبعد عيني عنه خجلاً ..لم يأكل من الطعام الذي أراد قط ..وأنا خجلت أن أتناول الطعام وحدي فقد اكتفى بسكب شرابه في كأسه الأحمر
بعد فترة صمت أمسك يدي بقوة وقال بصوت مرتجف لا تتركيني مجدداً فأنا تعبت من ألمي بغيابك ... الحيرة بدأت تسري في عروقي والريبة كانت تخنقني .. قلت له : أتركك مجدداً .. هل أثر بك هذا الشراب ؟
دمعت عيناه.. أنت تبكي .. قال: انتظرت عودتك كثيراً وكم حلمت بهذا اليوم ثم ضغط على يدي أكثر وقال : عديني بأنك لن تفعليها مرة أخرى ؟
لم أفهم شيئاً وبقيت مذهولة إلى إن ترك يدي ومد يده إلى جيبه وقال لي كل ليلة أضعها بجانبي أنظر إليها أبكي كثيراً ثم أحضنها وأنام .. اخرج صورة أمسكت بها نظرت إليها بدأ قلبي حينها يحتضر ويستعد للموت مجدداً
يا الله كم تشبهني هذه الفتاة وكأنها أنا .. نظرت إليه كان كطفل يستجدي أمه كي تحمله فيهدأ
قلت له من هذه ؟
قال هذه أنت.....أنت يا حلا .. بنبرة حزن قلت له لست أنا هي .. صرخ وقال لا هذه أنت .. لقد أصبح كالمجنون يصرخ ويبكي معاً .. لكن ماذا أفعل بهذا الصراخ الذي في داخلي ومن يخفف عني هذا الوجع المؤلم الذي سببه لي.
لقد أحببته بكل جوارحي وهامت في هواه روحي .. وماذا أفعل بعد أن علمت بأن هذا الشبه بيني وبين حبيبته هو من جعل كلامه جميلاً وكل هذا الحب كان لأجلها وما أنا سوى شبيه استطاع أن يخفف عنه غيابها
تركته في حاله ومضيت إلى الخارج باكية .. عاد بي تفكيري إلى الواقع وأحسست بأن أحداً ما يشدني إلى الأسفل نظرت إلى قدمي فقد دخل الماء عبر الحذاء إلى الداخل فجعلهما متجمدتين مسحت دموعي الباردة من على وجهي نظرت إلى آثار أقدامي على الثلج ضحكت بصوت عال وعاودت الرقص مجدداً أغني أغنية كتبها لي الذي أشبه حبيبته .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
مها الشعار