أرحل هكذا

العدد: 
15106
التاريخ: 
الأحد, حزيران 3, 2018

قمة الانتظار أم انتظار القمة ؟!
يجلس الشاعر عبد الكريم الناعم في قمة الانتظار يراقب كيف تجيء الليالي ويطوى النهار ، وهذا  الجلوس يشعره بالدوار ، ولذلك هو  واثق أنه شاخ وأنه ليس ذاك البذار في الطفولة نما وفي اليفاعة اشتد وفي الشباب زها وفي الكهولة نضج  .
 لقد داهمته الأحداث في ختام عمره المديد فشعر بالسأم ، وهذا الشعور نمط أولي في الذاكرة البشرية أفصحت عنه – ملحمة جلجامش – كما أفصح عنه الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى بقوله:
 سئمت تكاليف الحياة ، ومن يعش       ثمانين حولا ، لا أبالك – يسأم
ولكن عبد الكريم الناعم توقع أن الحروف سوف تسأم من تدفق القلم، ولذلك يلوذ بالكليّ القدرة ، كلي الزمان والمكان الذي يوقظ الحياة في اليباس ، يطلب منه أن يعيد إليه بشاشة الغصون في تفتح الفصول فهو يقف أمام بابه العالي  يكاد يختنق يقول – ليت أني:
ياخفي اللطف أدركني
 فلن أبرح هذا الباب
أيقظ في انطفائي بذرة الإنتاش
يامعنى المعاني
وأعتقد أن هناك نمطاً أولياً يخص الأدباء وهو شعورهم بنفور الإبداع منهم  عندما يبلغون من العمر عتياً ، وقد أسهب الأديب الناقد : حنا عبود في الحديث عن علاقة القصيدة بالجسد في كتابه الهام – القصيدة والجسد –
فالشاعر بشارة الخوري – الأخطل الصغير – يقول بعد  أن تجاوز الثمانين:
- اليوم أصبحت لا شمسي ولا قمري
     منذا يغني على عود بلا وتر
ما للقوافي إذا جاذبتها نفرت ؟    رعت شبابي وخانتني على كبري
والشاعر عبد الكريم الناعم – وقد تجاوز الثمانين ، أمد الله في عمره – يقول في –عتبي-
-    أيها الشعر الذي رافقته ستين غصناً
لم هذا الجفوة .. الفجوة ..؟!
والأنس شحيح
والمسافات ترامت ؟!
كنت أزهو أنني إن فاتني الصحب وحيداً
في الزحام
سوف لا تسقطني من دفتر الشعر وتمضي
فلماذا صرت إن جئتك
من أقصى براري الجرح
 لهفان الحنايا
تلزم الصمت ، فيعيني الكلام ؟!!
- وفي بوتقة هذا  النمط الأولي نمط الشيخوخة ومايجره من إحساس بالسأم ، ونفور الشعر من الشاعر يغلي  في النفس الحب والوجد والجوى والشغف والدنف وسمه ما شئت فالشاعر بشارة الخوري – الأخطل الصغير – التمس العذر لقلبه  في تعلقه بالجمال ، واستمراره في التعبير عن الحب والهوى :
كفاني ياقلب ماأحمل      أفي كل يوم هوى أول
كفاني نهماً لن يفر الجمال      وترحل أنت ولا يرحل
عذرتك ياقلب من للهوى ؟!     أنتركه بعدنا يذبل
أما الشاعر عبد الكريم الناعم  فيرى في غياب الشعر غياب الحياة ، يقول في – فوت - :
أما أن يغيب الشعر
 عمن كان للقافية الخضراء
ماءً سلسبيلا
ذاك فوت
وانكسارات وموت
وإذا كان الشاعر عمر الخيام يعيش الحاضر ويتمسك به ، لأن المستقبل غامض مبهم بل هو لغز وسر وكثيراً مايكون مخيباً للآمال :
غدٌ بعلم الغيب       واليوم لي
وكم يخيب الظن     بالمقبل
فإن الشاعر عبد الكريم الناعم يرى كالخيام الآتي غيبا ولكنه يرى أن مداركنا تسافر في الحاضر إلى الخلف :
مافات
 مات
 والآتي غيب
والحاضر قنطرة دخلت في الصف
هذا يعني أن سفار مداركنا
ينمو في – الخلف –
- وإذا كان الشاعر أبو القاسم الشابي الذي لم يفسح له في العمر طويلا قد رأى الموت تجربة يجريها  بعد جفاف ينابيع الحياة :
جف نبع الحياة فيا قلبي الشاكي ، هيا نجرب الموت  هيا
فإن الشاعر عبد الكريم الناعم يرى الموت غياب نجم من سماء الحياة :
فيا أيها المدلجون
ويا أيها السامرون
إذا نجمة ذات صبح
أفقتم فلم تلمحوها
فقولوا: «نعم هو اليوم غابا »

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لافي طعمة