أثر المثاقفة والترجمة في تركيب الجملة العربية ...د.الكوسى: المثاقفة ظاهرة إيجابية ... والغزو الثقافي عمل قسري

العدد: 
15108
التاريخ: 
الثلاثاء, حزيران 5, 2018

المثاقفة ظاهرة طبيعية ظهرت مع ظهور التجمعات البشرية، وعامل أساسي من عوامل التطور الاجتماعي، إذ تعمل على رفد المجتمع بجملة من المعارف والعلوم التي تسهم في تطوره... بهذه الكلمات بدأ الدكتور د.عصام الكوسى محاضرته عن أثر المثاقفة والترجمة في تركيب الجملة العربية حيث تحدث عن  المثاقفة لغة واصطلاحاً فرأى أنها  لغةً تعني الثَّقْفُ : ثَقِفَ الشيءَ ثَقْفاً وثِقافاً وثُقُوفةً حَذَقَه، ورجل ثَقْفٌ وثَقِفٌ وثَقُفٌ حاذِقٌ فَهِم ،ومنه قيل : رجل ثَقِفٌ ، أي : حاذق في إدراك الشيء وفعله . والثقافة اصطلاحاً هـي:«كل ما فيه استنارة للذهن وتهذيب للذوق وتنمية لملكة النقد والحكم لدى الفرد أو في المجتمع»وللمثاقفة مجالات متعددة، منها: العلوم والمعارف،التواصل اللغوي، الإبداع والفنون، التقاليد والأخلاق والسلوكيات.
ثم تحدث عن المثاقفة والترجمة التي شكلت عبر العصور المختلفة جسراً للتواصل والاستفادة المتبادلة بين الأمم والشعوب والحضارات، وقال عن نشأة الترجمة في الحضارة الإسلامية أنها اكتسبت أهميتها بوصفها الأداة الأهم من بين أدوات المثاقفة؛ حيث تجسر الهوة بين الأمم المتقدمة والأمم التي تسعى إلى التقدم، فهي عنصر أساسي في نشر العلوم والمخترعات، وأداة مهمة للاطلاع على الحركة الفكرية والأدبية والفنية في العالم، وعبرها نتمكن من إغناء اللغة وتطويرها.
 وأشار  لأثر الترجمة في اللغة العربية عبر الأخذ من اللغات الأخرى التي نترجم منها، وتسرب قديماً كثيرٌ من المفردات الفارسية والرومية والحبشية والهندية إلى اللغة العربية عن طريقين مهمين، هما:
1 - المعاملات التجارية الحيوية بين الشعوب العربية وغيرها والاختلاط والمعايشة .
2 - ما حدث في النهضة الثقافية العربية في صدر الدولة العباسية حين نشط الاهتمام بترجمة العلوم والفنون الأجنبية إلى اللغة العربية، ولا سيما ما كان في عصر الخليفة المأمون حين عقدت المجامع العلمية وأنشئت دور الحكمة وصار يؤمها كثير من العلماء للنظر فيما عربه المترجمون من الكلمات الأجنبية.
وعن المعرَّب والدخيل والمولّد من المفردات والكلمات التي جاءت من الأمم الأخرى  قال: إن العلماء العرب حاولوا أن يخضعوا كثيراً من هذه المفردات لمقاييس العربية وقواعدها،وكان العرب إذا عربوا كلمة صاغوها على غرار الأوزان التي تعرفوا عليها، إلا ما ندر، وأضاف: تم تقسيم الألفاظ التي دخلت العربية إلى ثلاثة أقسام:
1 - لفظ ليس له مرادف عربي استعمله العرب للدلالة على شيء لم يعرفه العرب في بيئتهم.
2 - ماله مرادف عربي مساوٍ له في السهولة والجرس، وهذا يجوز استعماله.
3 - ماله مرادف عربي لا يساويه في الجرس والاستساغة ولا في الاستعمال، وهذا محل نظر فقد يفصل المعرب حينئذ إذا كان مرادفه العربي مهجوراً.
وأشار إلى إشكال في هذه المفهومات بين القدماء والمحدثين، ولاسيما المُعَرَّبُ والدخيلُ، فقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّ المعرّب يعني الكلمات الأعجمية التي استعملها العرب، وأخضعوها لمقاييس العربية، أمّا الدخيل فهو ما دخل العربية من اللغات الأخرى وبقي على لفظه في لغته الأم، ولم يخضع لمقاييس العربية.ورأى أنَّ معظم القدماء وضعوا المفهومين في بوتقة واحدة مقابل الأعجمي المتناقض مع الفصاحة والبيان ولم يشترطوا التغيير والإلحاق في التعريب،  وهذا مذهب سيبويه وجمهور أهل اللغة.
أمّا المحدثون فلم تسلم آراؤهم من الخلافات حول المفهومين، فبعضهم عدَّ المعرَّب كل ما دخل العربية في عصر الاحتجاج والدخيل ما دخل العربية بعد عصر الاحتجاج سواء خضعت لمقاييس العربية أم لا.
وعرج على الاختلاف بين التعريب والترجمة حيث رأى أنَّ التعريب عملية نقل صوتي لكلمة أجنبية إلى اللغة العربية تصبح عقب نقلها دخيلة، سواء طالها بعض التغيير أم لا.


 إن جميع المصطلحات وجميع أسماء المخترعات التي دخلت لغتنا تقع في باب التعريب. أمّا الترجمة فتطال نصّاً من لغة ما ونقله إلى لغة أخرى مع مراعاة ثقافة منشئ النص وثقافة المتلقي. وهذا الفهم لا يتفق و جميع الدارسين، فبعضهم يرى التعريب هو الأعم والأشمل، وكثير من المترجمين كانوا يسمون ترجماتهم بالتعريب.
وعن أثر الترجمة في ظهور الأخطاء الشائعة قال:إنَّ المترجم طائر يمتلك جناحين لابدّ من استخدامهما معاً ليتمكَّن من التحليق، الجناح الأول إتقانه اللغة الأجنبية التي ينقل منها، والثاني لغته الأم، والإشكال الذي يقع فيه معظم المترجمين العرب اهتمامهم باللغة الأجنبية على حساب اللغة العربية، فنراهم يصبّون جلَّ اهتمامهم على اللغة الأجنبية، فاللغة العربية في رأيهم أمرٌ مسلَّمٌ به،فهم عرب ويعرفون عن لغتهم الكثير، ولكنّ الحقيقة أنَّ كثيراً منهم يقع في الكثير من الأخطاء لعدم إدراكهم أنَّ هناك سمات تميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات.إنَّ من يطلع على كثير من الترجمات يخلص إلى أنّ العديد من المترجمين لايعرفون عن هذه السمات إلا القليل.
وعزا سبب الأخطاء التي يقع فيها معظم المترجمين  للضعف اللغوي الناتج عن عدم الاهتمام باللغة العربية نحوها وصرفها والمعاني الدقيقة لمفرداتها وللاهتمام البالغ باللغة الأجنبية على حساب اللغة العربية، فجلّ اهتمامهم إتقان اللغة الأجنبية ونطقها أفضل من أهلها وعدم الإدراك لحقيقة الترجمة، فالترجمة لا تعني الاستبدال اللفظي فحسب،فكثير منهم يلجأ إلى الترجمة الحرفية، أي ترجمة الجمل «كلمة بكلمة» فنجد أمامنا نصاً يحوي مزيجاَ من المفردات الحيادية التي لا تخدم المعنى الذي أراد صاحبه إيصاله إلى المتلقي، ضعيف البنية، ركيك الأسلوب.
وتحدث عن بعض الألفاظ التي دخلت على المعجم العربي لا أصل لها في تراثنا اللغوي  من اللغات الأجنبية  وعن  الكلمات التي أخذت من اللغتين الفرنسية والإنكليزية  ورأى أن الكثير من المترجمين وقعوا في كثير من الأخطاء في أثناء الترجمة إلى العربية ، منها على المستوى المعجمي وعلى المستوى التركيبي وقدم بعض نماذج من الأخطاء الشائعة التي وقعت في تراكيب الجمل وخلص في النهاية الى مجموعة من النتائج وهي :
1- المثاقفة ظاهرة إيجابية تعتمد على المشاركة الطوعية والتأثر والتأثير، أما الغزو الثقافي فهو عمل قسري، يتم بوساطة طرف واحد يهدف إلى تهميش الطرف الآخر والسيطرة عليه.
2- تُعدُّ الترجمة إحدى أهمّ وسائل المثاقفة. فهي فعل ثقافيّ متطوّر ينتج عنه مثاقفة طويلة الأمد على صعيد الأفراد والجماعات.
3-اهتم العرب بالترجمة واعتمدوا عليها للاطلاع على الحضارات التي سبقتهم في بناء حضارتهم الإسلامية .
4- نجم عن الترجمة والتلاقح بين الأمم دخول كثير من المفردات الأجنبية إلى اللغة العربية، فاهتم بها العلماء وظهرت مصطلحات المعرب والدخيل والمولد.
5-الأمم الأقوى حضارياً وعلمياَ هي التي تؤثر في الأمم الضعيفة وفي لغاتها، فدخلت في اللغة العربية الكثير من المفردات والمصطلحات.
6- يجب أن يتوافر في المترجم الناجح عدد من السمات لتكون ترجمته مفيدة.
7- الترجمة الحرفية وضعف المترجم غير المتمكن من لغته الأم ينجم عنه كثير  من الأخطاء الشائعة التي تؤثر في المتلقي.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الحكيم مرزوق