حاضر في الذكرى ...

العدد: 
15113
التاريخ: 
الثلاثاء, حزيران 12, 2018

كان الهدوء يرفرف بجناحيه على سكون المعابر .. عندها ترك بيته الجبلي قاصداً كتيبته ...تاركاً وراءه رفيقة القلب والدرب والعمر ..
أهداها خاتماً ماسياً ، يربطها فيه بوعد عودته لكي يتمم زواجهما في وطنهما المشترك يضمهما بيت صغير بعد أن يعود سالماً غانماً من أرض المعركة ، لأن ايمانه بالنصر كبير هو الذي اعتاد أن يقفز على حواجز الموت ولايعيرها اهتماماً عبر حدسه المتفائل بالحياة الكبيرة المفتوحة المدى .
كان يحدثها دوماً عن المستقبل : يتكلم بحرارة وكأنه يقرأ تفاصيله ، في داخله حاسة قوية  يشم بها رائحة ذلك المستقبل .
يتكلم بحرارة وكأنه يقرأ تفاصيله من عيونها ، قادر على قراءة مايدور في الرؤوس وماتلمع به العيون وتنطوي عليه القلوب قد حفر اسمه واسمها على جذوع شجر السنديان المنتشر في ضيعته بحجر مدبب وبيدين تلويان قامة الحور  ويرجوها أن تحفظ له حياتها في تنقلاتها من البيت الى الوظيفة وبالعكس هو الذي يكن لها حباً جميلاً رائعاً ، ويرسم أحلامه على روحه المتحفزة كالوتر والتي لم تبعده عن أرض الواقع لحظة واحدة بما يمتلك من الشباب والحيوية واللذين ساعداه مع قوة حدسه في التقاط أية حركة قد يحدثها تسلل غادر أو طير عابر وهو واقف في محرسه ووميض البرق ينير له الجو الموجود حوله ،رجل مقاتل مغوار قامته قدت من صخر ورأسه يطال عنان السماء... في جسده طاقة نارية متفجرة كالبركان في مواجهة العدو من الإرهاب النجس
في الماضي لم يكن لحياته معنى كان يمضي معظم أوقاته  على طرقات  القرية ، تقوده أفكاره وأحلامه المغروسة في جو القرية التي تربى فيها ..
اما اليوم فقد تعلم كيف يواجه الشدائد وبات النجاح في مهامه علامة بارزة في حياته إذ كل مهمة يقوم بها يعود منها معطراً بعرق النصر  ..
بدأ يزرع نفسه على جبهات القتال التي فتحت السماء نيرانها فوقه هو شعلة تتوقد ناراً وحماسة للوطن وللمستقبل .. ليعود في يوم ما أنواره مشعة وهو محمل على نعش ، مغطى بعلم الوطن تكسوه الريحان والأزهار ....يسير جثمانه بين أعشاب الألفة والمحبة ليروي دمه الطاهر أرضنا الخيرة المعطاء ليرتاح في مركز الأهداف السامية  ولتعود الذاكرة ، ولينبت الأقحوان والبنفسج على قبره.. جاء متوجاً بدمائه ترافقه زغاريد النسوة وحبات الأرز المرشوشة على الطريق لتبقى هي الشاهد على بقايا الروح وليظل اسمه واسم حبيبته نقشاً جميلاً على قامات السنديان يزين الشجرة في محراب الذكرى هوذا جثمانه يشكل ممراً كبيراً إلى غابة الصباح..
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عفاف حلاس