حديث الذكريات

العدد: 
15125
التاريخ: 
الاثنين, تموز 2, 2018

كنت أفتح عينيّ المثقلتين بالنعاس على ضوء خصلة من ضياء الشمس الحادة وهي تشق الستارة السميكة وتتسلل شلالاتها رقيقة مستقيمة حتى حافة السرير لينضح جبيني بحبات العرق المتراقصة على وجهي ..
صوت ذلك العصفور الواقف على شجرة الأكدنيا في حديقة منزلي ، ينقر نافذتي باستمرار ربما يريد ايقاظي يدغدغ أحلامي بإشراقة يوم جديد
كانت حواسي جميعها مستيقظة فأبدأ يومي بصنع فنجان من القهوة لتصل رائحته إلى أنفي فيتنبه مذاقي ..
هكذا كان العمر يهرول وكأنه يمتطي قطار الشرق السريع يخترق صحارى روحي المتعبة لاأحد يدري إلى أين نمضي وإلى أين المصير . ..
أجلس فوق سريري وأتأمل  ،أرجع بذكرياتي ربما يكف السأم عن العبث بقلبي ويبتعد عني ذلك الركود الميت الذي يصبغ أيامي إذ صار هذا الصمت البارد يرمي بي في صحارى شاسعة يموت فيها حتى السراب ..
تعلمت كيف أحرق ذلك الملل الكئيب وأدخل الى غرفتي مجموعة من المتناقضات الجميلة ..
وكأن بي اليوم أسمع اصوات أبي وأمي وإخوتي .. حفيف اقدامهم على البلاط قوية جميلة ومن ورائها تهل رائحة كأس الشاي المخمر في يد أبي  مكتومة تصل خفيفة من خلال فتحة الباب الموارب وصوت أمي وهو يوقظنا جميعاً لنذهب الى مدارسنا هذه هي طقوسنا الصباحية ... تلك هي الضوضاء المبكرة التي كنت زعشقها وأنا راقدة في حضن السرير الدافىء ،تزورني اليوم أطياف أحبتي أتذكر تفاصيلها فتسعدني وتشعرني بالانتعاش
منزلنا الكبير بحجراته الواسعة كانت تضيق بنا حين كنا صغاراً نملأ الأسرّة نتبرم ضيقاً بالمكان والقياس الأكبر لأوعية الطهي كانت تناسبنا .
اليوم باتت الغرف الكبيرة مسكونة بالصمت الموحش غرفة الطعام لم تعد تضيق بنا ، نؤجل الأكل فيها الى ايام اجتماع الأخوة في المناسبات  اليوم  بتنا نخاف منظر الكراسي الفارغة من أصحابها فصارت تنقلاتنا محصورة بين غرفة نومنا الصغيرة وصالة الجلوس
غادرنا الجميع ولم يبق من آثارهم سوى وسائد فارغة وهاتف يرن على مدار الايام وكأننا نعيش داخل مركبة فضائية انفجرت ليتناثر الجميع في طول البلاد وعرضها احلم بأنهم ينتظرونني متحفزين أتحدث اليهم أتذكر أنين امي ، صوتها يناديني ينبعث من السرير قبالتي ممددة على ظهرها فوق الفراش وعضلات وجهها متقلصة بتأثير الألم وجهها مؤثر ومهيب شيء مايفور في أعماقي يغرق المكان وفي النهاية فالموت يحصد ذاك الوجه الأليف كما أخذ وجه ابي ، قد تجمد وجهها في يوم شديد البرودة بألم مرير ..
من جديد أستعيد الذكرى ، شعور قاس يغمرني
فالاصوات الحبيبة ماتت عند عتبة عالمي بهدوء حقيقي وأصبحت وحدي أحمل هموم المجموعة وألم الشوق ينتابني تلمني الليالي بهم في حديث الذكريات .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عفاف حلاس