نافذة للمحرر...أدباء في الذاكرة...... عبدالله أبو هيف

العدد: 
15127
التاريخ: 
الأربعاء, تموز 4, 2018

كان اللقاء الأول بالأديب عبدالله أبو هيف في جامعة دمشق في كلية الآداب – قسم اللغة العربية -  وكان ذلك في السنة الثالثة عام اثنين وسبعين ، في محاضرة للأديب الدكتور شكري فيصل – طيب الله ثراه – وكان يدرسنا مادة النقد الأدبي العربي ، وأذكر أن الدكتور شكري فيصل توقف عند بيتين شعريين محللاً  والبيتان هما :
 ولما قضينا من منى كل حاجة
ومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
وقد توقف أستاذنا الكبير بكل المعايير عند هذه الصورة الشعرية النادرة :
وسالت بأعناق المطي الأباطح – وأسهب في تحليلها ، وحلّق عالياً في ذاك التحليل مما أدهشنا نحن الطلاب وزادنا إعجاباً بأستاذنا ، وهنا وقف الطالب الممشوق القامة الحنطي البشرة عبدالله أبو هيف وسأل أستاذنا بلهجته الرقاوية الواضحة : أكل ما قلته أستاذنا قصده الشاعر في هذه الصورة ؟!! وقد تقبّل الدكتور شكري فيصل برحابة صدره وجلالة قدره هذا السؤال وابتسم ابتسامة أبوية صافية ، وأجابه : لقد قصد الشاعر أكثر من ذلك وما لم أكتشفه أنا عليكم أنتم أن تكتشفوه ، وهنا تكمن قيمة الشعر العظيم .
وعندما قرأت بعد سنين كتاب – ما الشعر العظيم ؟! للناقد الرائع يوسف اليوسف أدركت مضمون تعليق أستاذنا .
وتخرجنا من جامعة دمشق ، ومضى كل إلى غايته ، ولكننا التقينا كثيراً فيما بعد وخصوصاً في معسكرات طلائع البعث وقد أصبح أبو هيف مسؤول الثقافة في المنظمة . فجمعتنا المسابقات الأدبية المركزية التي كانت تقيمها منظمة طلائع البعث ، وأخذت بعد ذلك أتابع إبداعاته الأدبية ، فقرأت مجموعاته القصصية الثلاث : موتى الأحياء ، ذلك النداء الطويل الطويل ، هواجس غير منتهية .
وتجدّد اللقاء من خلال عمله في اتحاد الكتّاب العرب في دمشق رئيساً لتحرير الأسبوع الأدبي ، ثم مجلة الموقف الأدبي .
وقد كان رئيس تحرير ناجحاً يحترم الأدباء والمفكرين ، وكان حرفياً في عمله الأدبي والصحفي ، وعندما نشر كتابه النقدي الأول في نهاية السبعينات تحت عنوان : التأسيس . مقالات في المسرح السوري سارعت إلى قراءته لأن اهتمامي بالمسرح  ازداد والفضل للمسرحيين : سعدالله ونوس ، وفرحان بلبل . ثم قرأت كتابه – فكرة القصة ، نقد القصة القصيرة في سورية – في مطلع الثمانينات . وفي نهاية الثمانينات قرأت له : الأدب والتغير الاجتماعي في سورية وكان آخر ما قرأت له كتابه : النقد الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد . وهو كتاب تجاوز الخمسمئة صفحة وصدر عام ألفين ضمن منشورات اتحاد الكتّاب العرب ، وهو في الأصل أطروحة أو رسالة أعدت لنيل شهادة الدكتوراه ، وكان لقائي الأخير بالأديب عبدالله أبو هيف في مكتبة الأسد في المؤتمر العام قبل الأخير لاتحاد الكتاب وكان شبه فاقد لذاكرته ، وبعدها فقدها تماماً ورحل عن هذه الدنيا الفانية بجسده وبقيت كتبه تدل عليه .
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لافي طعمة