من ذاكرة القصة الحمصية ... الراحل عبد الخالق الحموي

العدد: 
15131
التاريخ: 
الثلاثاء, تموز 10, 2018

القاص الراحل (عبد الخالق الحموي) يقدم في مجموعته القصصية الوحيدة (لوحات من الحياة) مجموعة لوحات قصصية تنهل من معين الواقع المحلي، وتتمحور بمجملها حول هموم الشريحة الأوسع من المجتمع. فأبطالها من البسطاء، ومن الطبقة المتوسطة والفقيرة. وما يجري معهم من وقائع يحدث لأي فرد يوميا في المنزل، أو الشارع، أو مكان العمل.
وقد حرص القاص على إبراز الجانب الإنساني الصادق، وتعزيز الجانب الخيّر، كما أدان الانتهازية والوصولية.
والقصص بمجملها مشغولة بعفوية، وهذا ما جعلها قريبة من المتلقي مهما كان مستواه الثقافي متواضعا. إضافة إلى أن القاص نهج الأسلوب الأكثر شيوعا في بناء القصة القصيرة وهذا ما ساعده في إيصال مقولته التي حرص على إبرازها بجلاء.
*    *    *
القاص (عبد الخالق الحموي) يمتلك أسلوبا شفافا، يصل إلى المتلقي بسهولة، وبدون تكلف.
 ولكن رغبة منه في إضفاء الرومانسية، أو نفحة من الحزن المؤثر، تعمد المبالغة في بعض قصصه، مما أوقعه في مطب التكلف الذي كان بغنى عنه. ففي قصة (عناق أكثر أمومة) نجد شابا يقع فريسة مرض لا برأ منه، وأثناء احتضاره يطلب من حبيبته قلما وورقة ليكتب عليها: (أرجو أن تضعي هذه الوردة الجورية البيضاء في كفي، وتضمي أصابعي عليها حين يتوقف هذا القلب عن الخفقان) ص9. فلو خاطب الشاب محبوبته على سجيته، طالما هي قربه، لكان أكثر إقناعا، بينما طلب الورقة والقلم ليكتب رسالة إليها بحضرتها، وهذا ما جعل تصرفه مفتعلا، برغم وجود الوردة الجورية البيضاء رمز الحب العفيف.
والحرص على هذا النمط من الصيغ الجمالية- لاسيما في مقدمات قصصه أو خواتمها- أوقع القاص في المباشرة أحيانا، كقصة (كل في طريق) الذي يستهلها قائلا: (أيها الوطن المسترخي في حضن الطبيعة، والذي سيغزو عينيك خيوط الفجر الأولى، ها إني أغادرك، وفي يقيني أنني سأعود محملا بالمعرفة والوعي لمفهوم الاعتماد على القدرات الوطنية، بدعم من الأصدقاء في العالم. ) ص39. وهذه النبرة الخطابية في التعامل مع الموضوع الوطني تبرز  أكثر في قصص أخرى.
بل بعض المواقف المصطنعة قد يدركها القاص، فيكتفي بتبريرها فقط. كما ورد على لسان إحدى شخصياته في قصة (لست رجلا) حيث تطلب الزوجة الطلاق: (لم أحبك يوما، أما لماذا قنعت بك زوجا، فهذا لم أجد له تفسيرا دقيقا) ص19.
***
يفترض أن القصة القصيرة تعرض لقطة ذات محور مكثف، ولكن القاص في مجموعته أسهب في الوصف، تاركا لقلمه العنان، فهو لم يكتف بتقديم توصيف للبيئة، أو الحدث، أو الأبطال، بل أصر على شرح تفاصيل لا مسوغ لها أحيانا، مما أثقل القصة، وحد من فضاءات خيال القارئ، وذلك يبرز في بعض القصص، ومنها قصة (الجوع والحمار) التي يطيل شرح طريقة تناول الطعام لبطل القصة، وسأختار مقطعا فقط، مع التنويه انه كان يجب اختيار مفردة (سكين) الفصيحة بدل (موس) العامية: (اخرج موس من جيب جاكيته المزدحم بألوان الغبار والسواد، ودقه بالأرض، فانفرج نصله، وأخذ يقطع الأطراف الخضراء، بمسافة تعادل عرض نصل الموس.. وخلع عن النبتة الغطاء الخارجي، فبدت أكثر لمعانا ونضارة، ثم أطاح بالتيجان الرأسية من شعيرات نباتية، وهكذا صار كل شيء جاهزا لبدء وليمة الغداء) ص86.
أيضا قد يحمل القاص قصته مالا تحتمل، أي انه عندما يتعامل مع القصة يريد أن يعرض فيها كل ما يعرفه في المجال الذي تدور في نطاقه القصة، ففي قصة (أنانية مجنونة) يرد على لسان شخصية هامشية الكثير من الشروح التي تقرب القصة من المقال العلمي: (في الواقع، عندما يقتل إنسان نفسه بطريقة ما، فهذا يعني في علم النفس أن الشخصية الخيرة فيه تصارع دوما شخصية شريرة، ولا يمكن لهذه الازدواجية أن تستمر، لأن القلق دوما يرافق هذه الشخصية المزدوجة بأن الشخصية الشريرة ستنتصر أخيرا على الخيرة، ومن أجل الخلاص من الشريرة يعمل الشخص على قتل هذه الشخصية معتقدا أنه تخلص من الشر، وهو في الحقيقية تخلص من ذاته) ص35. مع العلم أن هذا الرأي في الانتحار لا تقره مدارس التحليل النفسي.
***
الشخصيات في المجموعة غير معقدة أو مركبة، بل هي شخصيات واضحة تماما، أو بمعنى آخر أفقية،  فالقاص يقدم شخصيته للقارئ دون إخفاء أي أسرار عنه، بل يبالغ القاص أحيانا في هذا التقديم بذكر معلومات عن بطله برغم أنها قد لا تدخل في نطاق الحبكة القصصية. وهذه الشخصيات عموما تتصف بالطيبة، والنبل، بل حتى في حال صراعها تظل تتمتع بالهدوء وبرودة الأعصاب، وحتى الشخصيات الشريرة النادرة في المجموعة غير فجة أو وقحة.
وهذه الطبيعة للشخصيات انعكست بجلاء في الحوار الذي اعتمده القاص بشكل رئيسي لشرح فكرة قصته وطبيعة أبطالها. ولكن المبالغة في اعتماد الحوار في خدمة مقولة القصة، دون توظيفه بالشكل الأمثل جعل الحوار يشكو أحيانا من الترهل والإطالة، كما في قصة (مهلا أيها الصديق): (ليس عيبا أن نحب، وأن نختار من نحب، لأني أعتقد أن حرية الاختيار هي أدنى درجات الشخصية، ومن حقك يا عاصم أن تختار، ومن حقي أن أحدد موقفي، لذلك أقول لك يا عاصم: الصداقة يمكن أن تكون أقوى من الحب، فأنت صديق، وحبذا لو احتجت إليك يوما بدافع الصداقة، وليس بغيرها) ص17. مع العلم أن قصص المجموعة تميل إلى القصر، مما يعني أن الحوار كان يجب أن يكون أقصر وأكثر تكثيفا.
***
لابد من التنويه أخيرا أن قصة (ضريبة) وقصة (وهذا ليس بقليل) مأخوذتان من أمثال معروفة. ولكن الأمثال أتت في القصة بطرحها المعهود، أي لم تقدم إضافة. وكان الأولى في حال الإصرار على تقديم مثل شعبي هو كتابته ضمن رؤية جديدة.
***
القاص (عبد الخالق الحموي) في مجموعته القصصية (لوحات من الحياة) تشعر القارئ بالرغبة الحقيقية للمؤلف في التواصل الإنساني الراقي، وهذا ما جعل قصصه تقترب من قلب القارئ الذي يتحسس مثل هذه الهموم، وهذا ما جعل قصص المجموعة تنجح في إيصال الكثير من المشاعر والأحاسيس النبيلة.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي