تحية الصباح...« المسلوب »

العدد: 
15131
التاريخ: 
الثلاثاء, تموز 10, 2018

ماذا فعل بك العدوان على سورية يا صديق الحب والشعر والحياة ؟!
لقد سلبك كل شيء , سلبك بيتك الصغير بحجمه , الضيق بمساحته , الرحب بأهله , الواسع بمكتبته الغنية بل أكاد أقول : إن الشقة التي لم تكن تتجاوز مساحتها التسعين متراً مربعاً كانت مكتبة بأكملها  . سلبك مخطوطات كتبك المعدة للنشر من كتابك عن وصفي القرنفلي الى كتابك عن عبد السلام عيون السود الى مخطوطاتك الشعرية للكبار والأطفال سلبك مدينتك التي كانت ملتحمة بخلاياك , بأزقتها وشوارعها من – تحت المئذنتين وسوق الحشيش الى مساكن المعلمين – سلبك الجلسات الحميمة في مطعم الأمير ومقهى الفرح وحديقة الروضة ولكن أي شيء مهما ثمن ونفس لايساوي ماسلبك إياه أخيراً وهو الذاكرة .
لقد أخبرني أصدقاؤنا المشتركون أنك أصبحت بلا ذاكرة , وعندما تلقيت هذا الخبر – الصدمة الفاجعة – لمن عرف ذاكرتك المتوقدة وخيالك الخصب وإبداعك الأدبي وإنسانيتك الراقية ووطنيتك السامية .
إنني يا صديق الحب والشعر والحياة لا أستطيع أن أتخيلك بلا ذاكرة لا أستطيع أن أتخيلك ذلك – المسلوب – الذي تحدث عنه الكاتب القرغيزي العالمي – جنكيز ايتماتوف – في روايته : - ويطول اليوم أكثر من قرن أو نقطة- التي نقلها عن الروسية الراحل عاطف أبو جمرة .
لا أستطيع أن أتخيلك يا صديق الحب  والشعر والحياة ذلك الفتى في رواية – ايتماتوف – الذي يدعى – جولامان – ابن – دونيتباي- وقد اختطفه الغزاة الأشرار – الجوان جوان- فعذبوه بكل أدوات تعذيبهم , ومارسوا عليه أقسى ألوان الضغط النفسي والجسدي الى درجة قطع أعناق الآخرين أمامه وحلق شعر رأسه وتثبيت قطعة مأخوذة من جلد عنق الجمل بدمها وبكل ما فيه وإلصاقها على رأسه , فعانى ما عاناه , وفقد ذاكرته تماماً فلم يعرف له بعد ذلك إلا اسماً واحداً – المسلوب – ولم يعرف حتى أمه – نايمان – بل صوب سهماً الى قلبها فقتلها بطلب من عصابات – الجوان جوان .. بعد أن عجزت عن إعادة الذاكرة الأساسية بعد ما طرأ عليه من تدجين وتبديل على يد الغزاة المجرمين . لا أستطيع أيها الصديق أن أتخيلك مسلوباً بلا ذاكرة , وكيف أتخيل ذلك وأنا أعرف في ذاكرتك الحركة الأدبية في سورية في ذاكرتك – لورا – وكيف تحضر ماء وخصباً في ذاكرتك – مسافة للممكن مسافة للمستحيل وفصول الجسد والعنقاء والحب في زمن الحرب والخرائب .
وفي ذاكرتك – انهيارات – ولم أكن أتصور أن الانهيارات ستصل الى ذاكرتك – فتغدو مسلوباً يا صديق الحب والشعر والحياة .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لافي طعمة