صفقة القرن بين قرنين

العدد: 
15133
التاريخ: 
الخميس, تموز 12, 2018

أعتقد جازماً أن صفقة القرن التي يروج لها الصهاينة و أزلامهم و عبيدهم هي الشق الثاني من صفقة واحدة كان شقها الأول في العقد الثاني من القرن العشرين متمثلاً في وعد بلفور المؤرخ في تشرين الثاني عام سبعة عشر و تسعمائة و ألف فهذا الوعد لم يكن أكثر من صفقة ،و الصفقة دائماً لها طرفان يوقعان على شروطها المتفق عليها و طرفا الصفقة الأولى أو الشق الأول من الصفقة كانا : الثري البريطاني اليهودي – روتشيلد و آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني في حكومة – لويد جورج – البريطانية و كان نص الصفقة ما عرف بوعد بلفور : إن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين .
و كان الثمن غير المعلن دعم يهود بريطانيا الأثرياء متمثلين في أسرة – روتشيلد - الخزينة البريطانية المرهقة في الحرب العالمية الأولى
و يومها تمت الصفقة و لم يدر بها أحد إلا عندما سربت نصها الثورة البلشفية في روسيا ووصل هذا النص  إلى الشريف حسين الذي عتب على مراسله الانكليزي – مكماهون – فطمأنه – مكماهون – بأن الموضوع في غاية البساطة.
عدد قليل من الأسر اليهودية الفقيرة سنسكنها عندكم في فلسطين و انتم أصحاب الكرم و الضيافة .
و مرت الصفقة بيسر و سهولة لأن العرب كانوا غارقين في جهلهم و أميتهم يحملون أعباء و آثام الرجل المريض – الدولة العثمانية المنهارة – و لم يكن لديهم أي فتات من وعي سياسي أو بقايا من تطور اجتماعي خارج الثالوث المرعب – الفقر و الجهل و التخلف .
و غير خاف على أحد أن هذه الصفقة أو  الشق الأول من الصفقة كان قد أعد له من – تيورهرتزل – المعروف بأبي الصهيونية منذ أرسل إلى فلسطين مجموعة من الحاخامات للاستطلاع و معرفة أحوال فلسطين موضوع الصفقة الآتية و أرسلوا له  رسالتهم الشهيرة يومذاك: هذه المرأة جميلة جداً لكنها متزوجة أي فلسطين جميلة و لكنها مسكونة   من شعبها – و على الرغم من ذلك أصر زعماء الصهيونية على أن – فلسطين أرض بلا شعب و نحن شعب بلا وطن – غير خاف على أحد أيضا ما جرته هذه الصفقة من  ويلات على الشرق العربي عموماً و على فلسطين خصوصاً من قتل و تشريد و اغتصاب و تدمير أو تمزيق و تشتيت .
و اليوم يروجون للشق الثاني من  الصفقة و يسمونه – صفقة القرن –  أي القرن الحادي و العشرين بعد أن كان وعد بلفور صفقة القرن العشرين و يبدو أن طرفي الصفقة لم يختلفا عن السابق كثيراً فالطرف الأول: دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الذي يمثل – الايباك : أي المنظمة الأمريكية الصهيوينة خير تمثيل – و هو يحشد في جعبته شماخات و عقل الأمراء و تيجان الملوك و كل المنتفعين بدولار أو صحن حساء .
و الطرف الثاني ما زال كما كان : زعماء الصهيونية العالمية و كيانها المصطنع إسرائيل و موضوع الصفقة لا يختلف كثيراً عن الشق الأول و إنما الشق يكمل شقه و هو الاجهاز على القضية الفلسطينية و القضاء على حق العودة مقابل فتات لا يسمن و لا يغني من جوع و على الرغم من التكتم على تفصيلات هذه الصفقة التي يروج لها : كوشنير صهر الرئيس ترامب فإن اللبيب من الاشارة يفهم كما يقال و لذلك إلغاء حق العودة مقابل تعويضات مادية تدفع من جيوب عبيد أمريكا في المنطقة ترسخ الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني -استمرار الاستيطان لقضم ما تبقى من الضفة الغربية و تشديد الحصار بأبعاده كافة على كل من يرفع راية القضية الفلسطينية في العالم و خصوصا محور المقاومة و تطبيع كامل مع الكيان الصهيوني و لكن بدايات القرن الحادي و العشرين غير بدايات القرن العشرين و العقد الثاني من القرن الحادي و العشرين غير العقد الثاني من القرن العشرين فالتطور الاجتماعي حدث و الوعي السياسي نضج وروح المقاومة حية و ثقافة المقاومة تتصاعد و تنضج و الهزائم بدأت تلحق بالكيان الصهيوني و عملائه و لذلك لن يمر الشق الثاني من الصفقة كما مر شقها الأول بل سيأخذ الشق الأول    بالتآكل رويداً رويداً .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لا في طعمة