الحداثة ... عمل إبداعي

العدد: 
15140
التاريخ: 
الاثنين, تموز 23, 2018

الواقع الثقافي العربي في حراكه العام يتأرجح بين التمسك بالموروث الحضاري للأمة لدرجة الانغلاق على الذات ورفض كل أطر التجديد بذريعة الحفاظ على قيم التراث وبين التطلع إلى آفاق جديدة في تفاصيلها والتي أطلق عليها اسم الحداثة والمعاصرة وحتى اللحظة لا يزال مفهوم الحداثة غامضاً في معظم أبعاده حتى عند المثقفين الغربيين الذين أنجبوه بولادة قيصرية وهذا الغموض المتنامي اليوم يكبر في حراك ثقافتنا العربية ليدخل دوائر ليس لها أقطار كونها لا تزال هلامية لا تحمل مفاهيم واضحة ولا سيما في مسارها الزمني الراهن حيث فرضت مستجدات الأحداث التي تعيشها الأمة العربية من مغربها إلى مشرقها دراسات ومناقشات تركز على الزمن الحاضر وعلى المرحلة الراهنة واعتمدت بعض هذه الدراسات على عناوين جذابة (مواكبة تطورات العصر الحديث أو المجتمع المعاصر) دون الإشارة إلى الكيفية التي يمكن أن تستند إليها  هذه المواكبة وبذلك يرتفع منسوب الغموض بحيث لا يستطيع أي مثقف ابتكار إجابات تغطي جميع التساؤلات حول الإشكاليات التي ولدها مفهوم الحداثة وخاصة عندما تعمد مصنعو أفكار الحداثة وشعاراتها رمي سهامهم  باتجاه تجاوز التراث وخصوصيته الذي يميز كل أمة عن غيرها علماً أن الثقافة العربية لا تزال تتفرد بحراكها الذي ينطلق أغلبه من التراث نحو الحاضر ومن ثم إلى المستقبل ليأخذ هذا الانطلاق طابع المعاصرة مشكلةً بذلك قواعد حقيقية للحداثة التي تعترف بالبعد الحضاري لأية أمة وهذا الاعتراف يعتبر علامة فارقة ميز الحراك الثقافي العربي على مر العصور رغم الأعاصير التي ما زالت تياراتها الفكرية تستهدف الموروث الحضاري للأمة .. في هذه الأيام يجري الاعتقاد عند عدد ليس بقليل من المثقفين العرب على أن الحداثة في محاورها الأساسية هي عملية يتم بواسطتها نقل الأفكار الغربية عبر التكنولوجيا المتقدمة إلى دول العالم الثالث ومنها العربية وهذا يعني ببساطة أن الحداثة يمكن أن تتحقق بدون الحامل الحضاري والموروث الثقافي لأي أمة مع انتقال المعلومات والمعارف والتكنولوجيا إليها لكن حقائق الواقع تؤكد أن مجرد الاستحواذ على المال والتكنولوجيا لا يعني في أي حال من الأحوال تحقيق الحداثة وذلك لأن الحداثة التي يجب أن ينتهجها المثقفون العرب هي فكر وعمل.. فكر يعترف بالبعد التاريخي وعمل ينطلق من الحاضر إلى المستقبل لتشكيل حدث مؤثر في طاقة الروح الإنسانية ودفعها للتطور وهذا يعني أن الحداثة لن تتحقق عبر المظاهر التكنولوجية لأنها يجب أن تستمد حضورها في الساحات الفكرية والثقافية من القيم الإنسانية والابتعاد عن ذلك الحضور يزيد من غموضها غموضاً.
إن واجب المثقف العربي المعاصر الانخراط  في رؤية معرفية شاملة تحكمها مبادئ الانتماء للمصلحة القومية وللوطن باتجاه قراءة جديدة للحياة العربية وللفكر العربي وللماضي والحاضر العربيين بعيدا عن أسلوب الخطابات والتهويل وعن استقدام مفاهيم لا تمت إلى مجتمعاتنا بصلة تذكر فعملية التحديث قريبة المنال وليست سهلة الأداء ولعل الخطوة الأولى تنطلق من التشخيص الدقيق لعدد ليس قليلا من المفاهيم والمصطلحات لوقف حالة تضاعف المشكلة في واقعنا العربي بمستوياته المختلفة .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
بسام عمران