عمق الفكرة وبراعة السرد

العدد: 
15144
التاريخ: 
الأحد, تموز 29, 2018

أعترف مسبقاً أنني منحاز لما يبدعه الأديب سامر أنور  الشمالي ، وخصوصاً في ميدان القصة القصيرة، وسبب هذا الانحياز أنني توقعت أن يكون له شأن  أي شأن في عالم الأدب الغني الجميل منذ إبداعاته الأولى وأسطره البكر،  ورافق هذا التوقع حب كبير واحترام شديد ، ويوماً بعد يوم وكتاباً بعد كتاب كانت توقعاتي تتجسد وقائع جميلة في ميادين الأدب المختلفة ولاسيما ميداني الدراسات والقصة القصيرة ومجموعته القصصية : حصار مفتوح الصادرة ضمن منشورات وزارة الثقافة – الهيئة العامة السورية للكتاب، تؤكد أكثر مما توقعته ، فنحن أمام كاتب قصة قصيرة بارع يثبت  أقدامه علماً من أعلام القصة القصيرة ، لا في سورية فحسب وإنما في الوطن العربي كله، فهو أديب قادر على التقاط الموقف الحياتي أو تخيله، وتحويله بأسلوب بسيط إلى موقف  أدبي ينسجه على نول السرد ليقدم لنا فناً قصصياً مدهشاً ، فالقصة لديه تشدك إليها منذ الكلمة الأولى  التي تلي العنوان ، ففي قصة – المريض الذي مات متأخراً  نقرأ: مات .  قال بلا مبالاة وهو ينزع السماعة الطبية عن أذنيه ويضعها في حقيبته السوداء  التي قليلاً ما يصطحبها خارج المستشفى ، فلم يكن بالطبيب المشهور .مات .. مات .. تمتمت الأم بالكلمة ذاتها مراراً وقد اعترتها الدهشة .)
ونتابع الخادمة المغلوبة على أمرها التي حملها الطبيب البدين  مسؤولية الوفاة وهو من كان مشغولاً معها في غرفة المريض بعد حقنة بمنوم ، وبعد كشف لأعماق شخصيات القصة من الطبيب إلى الخادمة إلى الأم والأب ، والأخت والبواب .. من خلال علاقتهم بهذا المريض الذي  لم يغادر سريره طوال  حياته ، ومات دون أن يترك خلفه غير ملابس مهترئة حلت ألوانها من كثرة الغسل .
 تأتي قفلة القصة وهي هامة لأنها محطة لإثارة التأمل ولإعادة الشريط الحكائي إلى أوله ،وسامر أنور  شمالي يمتلك براعة القفلة القصصية ، يقول ( لم يخطر لأحد أفراد الأسرة  الذين سرعان ما عادوا إلى حياتهم الطبيعية أنه لم يعد للمريض من أثر في المنزل ، وكأنه لم يعش  فيه يوماً ، ولم يفطن أي منهم أيضاً إلى أنه  ليس له أي صورة في ألبومات العائلة المليئة بالصور الملونة لأشخاص يضحكون دائماً ) .
 وفي قصة – الروبوت الجميل – تبدأ الأحداث بقول  البروفيسور سائر وهو يقف خلف المنصة في قاعة الاجتماع الرئيسية ويجول ببصره بين العلماء  الذي حضروا من مختلف أصقاع العالم لحضور –الملتقى الدولي السابع والعشرين لتطوير الروبوت: ( لم يبق لدينا مانخترعه في عالم الروبوت، فقد أصبح الجيل الجديد من الروبوتات مثل الإنسان تماماً ) .
 ويدافع البروفسور سائر عن مقولته بذاكرة الروبوت الأكثر اتساعاً والبعيدة عن النسيان وعمله الدؤوب، وقدرته على القراءة والكتابة ومساعدة البشر وإسعاف المصابين ولكن البروفيسورة ديانا فاجأته كما فاجأت الجميع بقولها:(لكن لم نتوصل إلى اختراع روبوت يفوق الإنسان جمالاً حتى الآن ..) وبعد أخذ ورد وفوضى غير متوقعة ، جاءت قفلة القصة البارعة : (  وخرج العلماء من القاعة وهم يتحدثون عن ديانا  وأفكارها، رغم تباين مواقفهم  حول ماعرضته عليهم. وغدا الجميع يحاولون – دون جدوى – تخيل شكل الروبوت الذي يفترض أن يفوق الإنسان وسامة !!! ).
إن قصة – الروبوت الجميل- أيقظت في ذاكرتي مسرحية الكاتب التشيكي: كارل تشابيك – إنسان روسوم الآلي- التي تدور في مصنع لصنع الروبوتات ،  وهذا الإنسان الآلي يعمل – سخرة – دون أجر، لأنه لا يمتلك الإحساس والشعور وعندما يمتلكها يثور على صانعه ويهلكه .
فهل نحن نشهد ولادة نمط أدبي جديد نعده نمطاً أولياً من أنماط الأدب يمتد من قصص – علاء الدين والفانوس المسحور وبساط الريح إلى كارل تشابيك ومسرحيته – إنسان روسوم الآلي -  وهيثم يحيى الخواجة ومسرحيته – الشابكة – وسامر أنور  الشمالي وقصته – الروبوت الجميل..؟!
وقصة – أبطال من ورق – التي تبدأ بداية مثيرة بسؤال مكثف: أنت حزين؟  سألته الزوجة الضحلة الثقافة لزوجها المثقف  ،تثير إعجاب القارئ بتوظيف المخزون الثقافي للأديب سامر أنور الشمالي في خدمة المبنى الحكائي للقصة وليس من أجل استعراض العضلات الثقافية فالزوج في القصة يكتب دراسة عن شخصية- راسكو لينكوف- بطل رواية – الجريمة والعقاب للكاتب الروسي الشهير : فيدوردوستوفسكي ليقول : هو ليس مجرماً يستحق العقاب وإنما هو مثل أعلى  للبشرية لأنه حاول التخلص من المستغلين ، ولكن بطريقة عنيفة .
وزوجته  كانت خفيفة رشيقة كإحدى راقصات الباليه في احتفالية  - تشايكوفسكي الموسيقية ، ولكن  حبها للمطبخ جعلها دبة قطبية في سيبيريا .
 والزوج بقي متماسكاً وراء مكتبه والقلم بيده، كي يفرغ شحناته في أي عمل ، لعله يحقق التصعيد الذي تحدث عنه كثيراً الطبيب وعالم النفس – سيغموند فرويد-.
وقد اكتشف من خلال علاقته بزوجته أن  نظريات – فرويد – أسهمت في شيوع وانتشار الأمراض النفسية عوضاً عن معالجتها !!وزوجته تقرأ رواية – مدام بوفاري – للأديب الفرنسي : غوستاف فلوبير,بينما الزوج ينسحب من جنبها بهدوء وكأنه أحد أبطال شيخ القصة في العالم الروسي – أنطون تشيخوف -  وهذه الزوجة طلبت منه الطلاق لأنه اشترى الأعمال الكاملة –لفرانز كافكا- وعلل الطبيب ذلك بخشية الزوجة على زوجها أن يصبح حشرة  مخيفة أو مسخاً كما في قصة – كافكا المسخ.
 وكانت خاتمة القصة أن الزوج رأى في الطبيب- دون كيشوت- في رواية  الإسباني ميخويل سرفانتس والمرضى الذين ينتظرون الدخول عليه في غرفة الانتظار شخصيات  هربت من قصص الأديب المصري – يوسف إدريس- .
 إنه توظيف سلس رائع لمعطيات الثقافة في بناء قصة قصيرة تشد المتلقي وتدفعه إلى التأمل وإعادة كل مدلول ثقافي إلى جوهره .
  لقد كان بودي أن أقف عند كل قصة من قصص – حصار مفتوح – لسامر أنور الشمالي فجميعها يستحق التوقف والتحليل والتأمل ، ولكنني اكتفيت بهذه القصص  الثلاث فهي تدل على غيرها ، وقد تدفع القارئ إلى المغامرة في فك الحصار، ولكنه سيكتشف أنه – حصار مفتوح – فتحه الأديب المتميز .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لافي طعمة