نغم في مدينتي

العدد: 
15145
التاريخ: 
الاثنين, تموز 30, 2018

إنها نقطة سكون في بحر ضوء تسبح الى غير نهاية تقرر أن تكون فلا تستطيع أن تكون لأنها تائهة تدور حول نفسها ، تجثو تقعد تقفز تقف تتوالى وتتوالى آلاف المرات مكررة ذاتها ... لا شخوص لا زمان لا مكان .
الشخوص : أنا وهي ، الزمان بعد انطلاق اول رصاصة تهم بالدوران في فلك مزعوم المكان مدينتي الحبيبة :
وتقف نغم على شرفتها تمعن النظر هنا وهناك فلم تجد إلا أصداء صراخ والديها  يملأ المكان صباح مساء لكنها قررت أن يكون هذا الصباح صباحاً ساكناً لا تدغدغه إلا تنهدات الاثير لتسكب اوجاعها في فناجين منمقة تتوزع على طاولة صغيرة دونما حضور .
الصورة رقم ( 1) :
أرجوك يا أبي ، أرجوك ألا تغادرنا ، تريث قليلاً ، أعرف ما يجول في خلدك وأعلم أنك وحيد في هذا البيت . أمي لا ترقى إلى أمانيك وحلمك حلم يوتوبيا ضائع في معبد  عبثيتها لكنني بحاجتك يا والدي .... هل خلقت لأحيا.. هل خلقت لأكون بلا أب ؟!
امسكت نغم بيدي والدها وشدت عليهما  حاولت أن تخنق  رغبة الفراق فيهما . تخشبت يداه وبرز وريده  ثم تسمر في مكانه  ووجمت عيناه وهز برأسه موافقاً  على رغبتها التي يبدو أنه لافرار منها ولكن يا ابنتي لقد تعبت  في كل هذه الدائرة أني لا أجد فيها  لنفسي قطباً ولا مركزاً أسكن إليه ، غداً سوف  تزفينا  إلى الحياة أو بعد غد ، وأن كنت نجماً يعلو في  سماء ليالي فلا بد أن يعلو نجمك في سماء رجل ما بالتأكيد لست أنا وعندها يكون العمر قد مر وأنا مازلت وحيداً . يقف الأب والبنت على الخشبة يمشيان في اتجاهين متعاكسين ثم يستديران  بحركة مجنونة ويتعانقان ويسدل الستار .
الصورة رقم(2):
 قرأت لي صديقتي ذات مرة أن الأرض في بدايتها كانت أديماً انتفخ مكوناً بحاراً وذرة، وأن عشتار أوقعت الكثير من الرجال الأشداء في غرامها فقتلوا في سبيل نيل حبها فصممت أن أسأل والدي عن ذلك .
حاول غير مرة أن يبتعد عن الموضوع بفلسفته المعتادة وبكلامه المعسول
سألته : ماذا تقول لي عن آدم وحواء هل صحيح أن حواء أغوته فأكلت تفاحة  ونزلت إلى هذه الأرض ؟ ماذا تقول لي عن جلجامش الذي ترك أور باحثاً عن الخلود ؟ هل كل مدينة هي أور ؟!
 يا والدي ما أصعب أن تبحث عن امرأة  في مدينة ، بل ما أصعب أن تبحث عن مدينة في إمرأة ماذا تقول لي عنك وعن أمي وعن صراعكما الطويل الذي لاينتهي وما الذي أدمى فؤادي
أرجوك لاتصمت يا أبي ، أجبني ، إن صمتك  يقتلني . أشاح الأب بوجهه عن نغم ثم أمسك بكتاب  كان قد وضعه في أعلى رف في مكتبته الكبيرة نفض  عنه الغبار مسحه بمنديله المعطر ، قال : اسمعي يا ابنتي هذه سنوات طوال من عزلة ماركيز أرجو أن تقرأيه ، أرجو أن تحلقي جيداً في هذا الكتاب ربما تجدين قسطاً من إجابتي عن أسئلتك رمت نغم رأسها على كتف والدها الذي شابت لحيته وأسدل الستار للمرة الثانية.
 الصورة رقم (3)
 يدخل الأب غرفته فيجد زوجته مستلقية على السرير على عادتها وقد رفعت قدميها على وسادة كبيرة بحركة قلقة لاتقل حيرة عن نظرة عينيها الزرقاويين ، يحاول أن يحتل  جزءاً من السرير  .
 لكن شيئاً ما ممزوج بأزيز الرصاص المتصاعد هنا وهناك يجعلها دائماً  تدير ظهرها له ، تخنقه الرغبة ويلعقه الجنون الذي لايقل صخباً عن دوي الانفجارات المتبعثرة في أنحاء المدينة التي تسدل جفونها عن ليل بهيم ليل السهر   .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
شعيب إبراهيم