الكنوز الحقيقية

العدد: 
15149
التاريخ: 
الأحد, آب 5, 2018

لم نكن في مجلس جد عندما سألني ناصر أتعلم يا صديقي ماذا أفعل إذا ما اصبت في ساحة القتال ؟ فأجبته على الفور :  نعم .. تحملني وتركض بي إلى النقطة الطبية الإسعافية الميدانية !!
ارتسمت على محياه ابتسامة خبيثة قبل أن يقول : لا...فأجبته بشفاه تنتزع منها الخيبة  بقايا ابتسامة غاربة .. ماذا تفعل غير ذلك أيها الصديق؟؟ فأجاب ضاحكاً : أنقض كالصاعقة على ساعتك الذهبية الثمينة ، وألحق تلك الكلمات السمجة الثقيلة بقهقهات صاخبة  ,لقد حاول عقلي إيهام وإقناع مشاعري وعواطفي بكل ما وهب من حسن صياغة المبررات المقنعة بأن ما باح به ناصر  في مجلس الهزل لا يخرج عن كونه هزلاً لكنه أخفق
وآسفاه وابتدأت صداقتنا تذوي يوماً إثر يوم .. فضحت سرها  كلمة عاثرة ... صداقتنا النقية قتيلة سقطت!!!؟
 ****
 إن عظمة الصداقة ونقطة ضعفها بل مقتلها كامنة في كونها لا تقوم على قرابة الدم واللحم بل على عناق المشاعر  الإنسانية السامية وهذا ما يجعل الخوف من سقوطها يتعاظم كلما  تعالت شامخة في السماء فالمشاعر للنفس كالهواء للجسد حيناً تراه كل شيء وحيناً آخر تراه لاشيء وهكذا كاللاشيء انهارت  وسقطت وتلاشت تلك الصداقة الشامخة ؟؟
 ****
دقت طبول الحرب قبضات الشياطين الحانقة المتعطشة إلى الدماء البشرية وغرقنا في الخنادق بضفائر اللهب المتصاعدة ودخان الحرائق الخامدة بصفير المقذوفات المتشظية وضجيج المدرعات الهادرة  وجاءني الأمر بتغيير المواقع  وفقاً للمستجدات الطارئة.. بلغت ذلك لمن حولي وهممنا  بالانتقال إلا جندي لم يتحرك دنوت منه عرفته ..صحت به : ناصر.. ناصر مابك؟؟! ماهذه دماء.. رباه أنت جريح..؟ تمسك بي جيداً يا أخي ... وبعشرة أمثال ما أبقى في ذاك النهار الطويل المنهك من أشتات قوة .. حملت ناصر وسرت به – لا أذكر كم مرة سقطت به لا أذكر كم مرة طلب مني بل استحلفني كي أدعه يموت وأنجو بروحي ..  قبل أن نصل إلى النقطة الطبية الاسعافية المتقدمة  وهناك سقطنا معاً استفقت من غيبوبتي واستجمعت شتات قوتي وأخذت عيناي تبحثان في السقف في الأبواب في النوافذ في كل ما يحيط بي من أثاث وأدوات وأشخاص عن ذكرى تربط ما أنا به بما كنت فيه وأخيراً وجدت : أليس هذا ناصر ؟!! نعم إنه هو إذاً مازلنا في النقطة الإسعافية المتقدمة وهجمت الذكريات المرعبة دفعة واحدة كنهر هائج جامح.. حملت جسدي الثقيل المنهك وتساءلت مستغرباً وأنا في جرجرتي الثقيلة إلى ناصر كيف يتحرك الإنسان أحياناً كقطار  بألف قاطرة وأحياناً أخرى كشبح يتقافز بلا جسد ؟!!
 ****
ناصر ..ناصر.. هل تسمعني؟ بصعوبة استطاع ناصر  أن يباعد بين جفنيه الزرقاوين وبصعوبة أكثر استطاع  أن يرسم  ابتسامة  خفيفة على محياه الأصغر وبصعوبة  أعظم  حاول رغماً عنه .. أن يدير لسانه الثقيل قال : يا أخي لقد كنت قبل اليوم أرى أثمن ما فيك ساعتك الذهبية أما الآن فإني أراها أرخص   ما فيك.. لقد علمتني اليوم- وآسفاه – آخر درس بل أعظم درس في هذه الحياة الغاربة: أنه مهما تعاظمت ملكية الإنسان لا يملك أعظم من إنسانيته!!!؟ سامحني يا أخي إذا استطعت فأنا لن أسمو إلى سمو  سماحك!!!؟
عندها تذكرت ساعتي الذهبية وبحركة  ناقمة نزعتها من معصمي – ناصر ناصر هل تسمعني لقد خنقت أجفانه الفجوات الضيقة المفتوحة رغماً عنها وأطفأت  شفتاه شمعة ابتسامته الشاحبة التي احترق كامل خيطها....ناصر ..ناصر.. هل تسمعني!!؟ هذه ساعتي هدية لك .. ومرة ثانية استطاع المهر العاثر  أن ينهض من كبوته.. ويقول : بمقاطع متناثرة وكلمات مكسرة دعني أموت يا أخي شهيداً بجروحي الطاهرة فأنا لا أطلب في هذه الساعة الرهيبة ساعة ذهبية..
لتذهب ساعتك إلى الجحيم.. بل أطلب منك كلمة سماح تسكبها شفتاك  الطاهرتان النقيتان فوق روحي فهي خلاصي وراحتي من أتعابي وآلام جراحي..
وأسلم  ناصر الروح؟!!! وذهبوا بجسده وساعتي إلى القبر ..
لكنه عاد إلي من جديد صديقاً حبيباً نقياً طاهراً في ابني الصغير.. ناصر !!!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عجاج عبد النور