تحية الصباح...زيارة مُفاجئة

العدد: 
15150
التاريخ: 
الاثنين, آب 6, 2018

قُرع باب الشقّة، فتحته، فوُوجِهتُ بمن يدير ظهره، خيّل لي أنّني أعرف هذه الهيئة، قلت له: أهلا وسهلا، استدار نحوي، فكنت وجها لوجه أمام صاحبنا المُناكف، وحين تُدهش فلا بدّ أن يظهرشيء من ذلك في مرتسمات الوجه، أو في العين، مهما كانت قدرتك عالية على الإخفاء، قلت له : تفضّل، وأشرت إليه إلى أين يتّجه، فور جلوسه قال بعنينين تقطر منهما المُناكفة : مفاجأة .. أليس كذلك ؟ وتابع: كنت عند جارك النجّار، وجرّنا الكلام، فأتى على ذكرك، فقلت هل تعرفه؟!! قال هذا جاري وأستاذي في الابتدائي، وأشار إلى بيتك، فقلت نزورك بهذه المناسبة، قلت: أهلا وسهلا، تابع دون توقّف “ قرأت زاويتك في جريدة العروبة، التي ذكرتَ فيها دكتورا لاتعرفه، وقد امتدحتَه، فكيف تشيد بمناقبيّة رجل  لاتعرفه؟!
قلت في سرّي بدأت المُناكفة، واستأذنته لِأُحضر القهوة، وغبتُ قليلا، فوجدتُه على تحفّزه، وكيلا يُعيد الموّال ذاته من بدايته، قلت له: تُرى من الضرورة أن نتعرّف على كلّ شخص حتى نشيد به؟ نحن نشيد بكرم حاتم الطّائي، وببطولة وفروسيّة عنتر، وزهد إبراهيم بن الأدهم، فهل نعرف هؤلاء، أم أنّ من عايشهم قد نقل لنا بعض ماوصلنا، وأنا ياصاحبي لاأعرف ذلك الطبيب المحترم، ولكنّني سمعتُ مَن يمتدح خصاله التي ذكرتُه بها.
قاطعني وقال بشيء من الحدّة:  إي فهمت،.. لكن كيف  ؟!
أدركتُ أنّ موج المُناكفة قدأزبد، فأضمرتُ أن  أهرب إلى الحكاية، فقلت: اسمع لديّ حكاية تتقاطع مع مانحن فيه، روى مَن أثق به، أنّ أمير عشيرة المَوالي الأمير عبد الابراهيم اعتُقل ايام الاحتلال الفرنسي ، لمواقفه الوطنيّة، وسُجن في قلعة “أرواد” مع مَن كان فيها من الوطنيّين، وسمع المجاهد الشيخ صالح العلي، وهو في مقرّ إقامته في “الرّسْتة” بسجن ذلك الأمير، وكانت قد بلغت مسامعه أخلاق الأمير المسجون، ونُبله، وشجاعته، فكان يُرسل له إلى سجنه كلّ  يومين أو ثلاثة مائدة عامرة بالمنسف، يأكل منها ويُطعم مَن حوله، واستمرّ الأمر على هذا المنوال حتّى أُفرج عن الأمير، فقرّر ألاّ يُغادر الساحل قبل زيارة مَن أطلق أوّل طلقة في وجه الاحتلال الفرنسيّ، فقصده، وزاره، فأولم على شرفه، واهتمّ به اهتمام مَن يعرف قيمة الرّجال، وأثناء تداول الحديث بينهما، قال الأمير عبد الابراهيم:” ياشيخ صالح،أنا جئت لأشكرك على إكرامك، وأنت لاتعرفني”، فنظر إليه الشيخ صالح العلي وقال له: ياأمير، صحيح أنّي لم ارك من قبل، ولكنّ أفعالك الحميدة، وسُمعتك المسْك، قد بلغتْنا، وأنا أُكرم فيك الموقف الوطنيّ الذي يجمعنا، وأُكرِم فيك ماتناقلتْه الألسن عنك”.
وأنا ياصاحبي أثنيتُ على مَن تثني عليه أفعاله الطيّبة.
مَطَّ شفتيه وزمَهما، وصمت قليلا، ثم قال:” فهمت.. لكن كيف  ..!!
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الكريم النّاعم