نافذة للمحرر...أدباء في الذاكرة...موريس قبق

العدد: 
15152
التاريخ: 
الأربعاء, آب 8, 2018

حططت الرحال ونعمت بالاستقرار في مدينة حمص أواخر السبعينيات ،وبدأت أقرأ دواوين شعرائها ،وتواشجت علاقتي بالشاعر ممدوح السكاف الذي كان يحدثني كثيراً عن الشاعر المتفرد موريس قبق ،وعن ديوانه الوحيد –الحب واللاهوت - ثم قرأت للأديب ممدوح أكثر من مقال عن انتحار الشاعر موريس قبق صمتاً لأسباب وأسباب ،وكان يقول لي :لو تابع إبداعه الشعري لكان في مسيرته الشعرية لا يقل عن الشاعر نزار قباني ،وقد سررت بمعرفة الشاعر موريس قبق في أكثر من لقاء مسائي في مكتب الأستاذ فايز مطلق رئيس تحرير جريدة العروبة أواخر الثمانينات ،ولكن لسوء حظي كان موريس في أواخر أيامه في هذه الدنيا الفانية ،وكانت له آراؤه النقدية القليلة في تلك الجلسات المسائية وقد سمعت منه قوله :إن صديقي ممدوح السكاف يعجبني دارساً وناقداً أكثر منه شاعراً ،وقد تفضل علي بديوانه –الحب واللاهوت - وقد قرأته مراراً وتكراراً ،وتوقفت طويلاً عند قصيدة –ملكوت صقر وقصيدة –طاحونة الموت –ومن قصيدة –ملكوت صقر .
«إني في أسرار المطلق
أترامى مختنق الصوت
في عين في بحر أزرق
أطفو ..أغرق
وأذكر أن الصديق الأديب وليد مشوح اتصل بي يريد نسخة من ديوان الحب واللاهوت –لموريس قبق ،وكان حينها يعد رسالة دكتوراه في جامعة دمشق تحت عنوان –الموت في الشعر العربي –فوفرت له نسخة ولفت انتباهه إلى القصيدتين السابقتين في الذكر ،وبعدها شكرني كثيراً لهذه الإشارة ،فقلت: له إن أي دارس للشعر العربي الحديث وخصوصاً الشعر السوري لابد أن يتوقف عند ديوان –الحب واللاهوت –لموريس قبق .على الرغم من أن هذا الشاعر –بعد ديوانه الوحيد –مارس طقوس الصمت الطافح بالألم –فلم يعط العبقرية فرصتها لتواجه الواقع ،وتجرب قدراتها ،ومعطياتها الفنية فانزوى بين جدران صمته بصلابة وعناد شديدين .وقد علل بعض الدارسين ذلك أنه فقد الإنسان الذي يبحث عنه في عالم المتناقضات ،وكأن الواقع قد أخمده فانسحب من روضة الشعرية تاركاً وراءه ديوانه الوحيد –الحب واللاهوت –الذي كان بداية الطريق إلى القمة الفنية ،ولكن هذا الديوان لم يبق وحيداً بعد وفاة مبدعه ،إذ قام تلميذ موريس قبق الوفي الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور –طيب الله ثراه –بجمع قصائد موريس التي لم تنشر وتمت طباعتها ،وقد سمعت من الصديق الأديب ممدوح السكاف رأياً في أسباب صمته ومضمونه أنّ الشاعر كان خائفاً من عجزه عن تجاوز ديوانه –الحب واللاهوت –في ديوان آخر ،وهو بذلك يرد الصمت إلى عامل فني فحسب ،ولم أقتنع بهذا الرأي لأن الشاعر في مسيرته الإبداعية يسير مدفوعاً بعوامل كثيرة منها الداخلي ومنها الخارجي ولا يقدر إذا كان سيتجاوز إبداعه الأول أم لا ،فكيف إذا كان شاعراً موهوباً مبدعاً منذ ديوانه الأول .لذلك أعتقد أن أسباباً متداخلة مركبة تقف وراء صمته ،وكان وحده قادراً على كشفها شعراً ولكنه صمت ولم يكشف شيئاً ،وكأنه يتمثل قول شاعر آخر :الصمت أبلغ منطق يهدي النفوس إلى الحقيقة .
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د .غسان لافي طعمة