تحية الصباح.. النّت والصيد بالسنّارة

العدد: 
15155
التاريخ: 
الاثنين, آب 13, 2018

يبدو لي أنّ “يقظة الوجدان”، أقول يقظة الوجدان، لأنّ الوجدان بحسب رأي عدد من الفلاسفة الذين اقرّوا بوجوده الفطريّ، مركوز في الإنسان،.. وهكذا فهو يقظ هنا، ومتكاسل مُغمِض عينيه هناك، هذه اليقظة تبدو لي أنّها في جزء كبير منها تتبع سياق الأداء العام، في الوظيفة، وفي البيت وفي العلاقات العامّة، فنحن، على سبيل المثال، يفصلنا عن البلاد المتقدّمة في صياغة مجتمعاتها أنّك لاتجد موظّفا يتهرّب من عمله، لأنّه منسجم مع السياق العام، ولأنّه حين يخلّ بأداء الأمانة فسوف يُفصل من عمله، وهذا ليس أمرا هيّنا على مَن يعتاش من راتبه، بل وتصل الأمور في بعض الشركات أنّها تكاد تستعبد، بل هي تستعبد موظّفيها لتطبيق خطّة الإنتاج، ففي بريطانيا مثلا، كما حدّثني مَن يعيش هناك فإنّ الذي يُفصل من عمله يمكن أن يتلقّى مساعدات من الجهات الرسميّة ولكنّه مُلزَم بقبول أيّ عمل يجدونه له فيما بعد، مهما كان نوعه، أو درجة مشقّته الجسديّة والنفسيّة، وإلاّ فَقَدَ بيته الذي أُعطي له بالتقسيط، وطُرح في الشارع، وهذه الصرامة في التنفيذ هي التي خلقتْ ذلك الانضباط الوظيفي، ممثَّلا بيقظة وجدان واضحة،
هذه المقدّمة التي طالت قليلا، فرضتْها مشكلة ( النّت) الذي أصبح في معظم البيوت، وفي كلّ الجيوب، فهو (أحيانا) كنسمة ناعمة، و( غالبا) يوتّر الأعصاب، فهو إمّا في غاية البطء، أو متعثّر لدرجة لاتجد خيارا سوى أن تغلق الجهاز وأنت تتأفّف، في بلدان العالم المتحضّرة، حين لاتعجبك شركة في أداء ماعليها فأنت تستطيع الانتقال لشركة مماثلة أداؤها أفضل، أمّا نحن فمحكومون بالذين سُلّطوا على رقابنا، وليس ثمّة من يسمع أو يستجيب، حتى لكأنّ الأداء السيئ صار علامة فارقة لبعض جهات الخدمات العامّة!!
انتظار بطء النّت لاأعرف كيف قذف في مخيّلتي مسألة المُقارنة بين مَن يصيد السمك بالسنّارة، اخترتُ مَن يصيد بالسنّارة لأنّه أشبه بنا، أمّا الذين يصيدون بواسطة السفن ذات الشبكات الواسعة، ويجرفون السمك جرْفا فأولئك ليسوا من طينتنا الطبقيّة، بل هم من طينة مَن يُطلق عليهم اسم ( الحيتان)،
صائد السمك يُلقي بسنّارته ويجلس متماهيا مع الماء، ومع مايحيط به من جمال الطبيعة، إذ حيث توجد الأنهار أو البحار ثمّة فتنة خاصّة للطبيعة،..يتماهى مع ماحوله، وفي باله انتظار أمل أنْ تهتزّ سنّارته ليجذب صيده، أمّا المنتظر على جفاف ( النّت) فهو معزول إلاّ عن الشاشة التي هي كلّ عالمه في تلك اللحظة، ولا يعرف ما إذا كان ستتعدّل السرعة، وفي هذا المجال كثيرا مانقرأ تبريرات هي أشنع من أداء الفعل السيئ، فتارة الكابلات، وأخرى البوّابات، وثالثة الأعطال، حتى لكأنّ المطلوب التوسّع في التبرير لا إصلاح الخلل ، وحتى لكأنّ هذه المسمّيات غير موجودة في البلدان المتقدّمة!!
لو سألنا أحد القيّمين على النّت، لأجابك، قياسا إلى بعض التصريحات:« ماذا تقول يارجل؟ النّت عندنا أفضل من السّويد»
أظنّ أنّنا بحاجة لتأهيل عميق، حازم، لايترك مقصّرا، ولا مرتشيا، ولا نهّابا، للخروج من هذا المأزق الذي لاتقلّ أخطاره عن أخطار الحرب الصهيوأعرابيّة التي واجهناها...
aaalnaem@gmail.com

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الكريم النّاعم