موت أعظم من حياة

العدد: 
15157
التاريخ: 
الأربعاء, آب 15, 2018

وقع طائر السنونو الوسيم في حب رفيقته سنونو فاتنة في ربيع بلاد الشمال الدافئ و كانت ثمرة هذا الحب الكبير بيضتين جميلتين و ضعتهما الأنثى في غير أوان... كانت الأنثى تحضن بيضتيها طيلة اليوم و تغمرها بدفئها و حنانها و الأب المحب المضحي يزقها طعامها و جبة إثر وجبة طال الزمان بالبيضتين و لم تنقفا ..
و قلق الوالد يزداد يوماً إثر يوم محاولاً إخفاء ذلك عن الأم المثابرة الصابرة الحنونة و في يوم خريفي بارد تنادت أسراب السنونو للرحيل جنوباً سعياً وراء دفء الجنوب .؟
اضطرب الوالد و اغتم وجاء عشه حزيناً و لما ألحت الزوجة في معرفة سبب كآبته باح لها بما لا تتمنى و تشتهي ،استشاطت الأم الحنونة غضباً و أعلنت التمرد و العصيان على أوامر السنون هدأ الزوج المحب من روع زوجته ثم أخذ بصوته الدافئ الحنون الرقيق يقنعها  بأن لا جدوى في حضانتها لبيضتيهما فلقد فات أوان نقفهما وأخذ يؤكد لها شكوكه و هواجسه التي ساورته منذ فترة ليست بقصيرة بموت فرخيهما مواسياً معزياً بأنهما سيعوضانهما في الربيع القادم فضلاً على أن البرد يشتد ليلة بعد ليلة و الطعام يصعب نواله و الحصول عليه نهاراً إثر نهار لكن الأم بقيت على ما هي عليه رافضة  الرحيل نحو الجنوب محاولة إقناعه بالرحيل مع السرب وحيداً فهي قادرة على تأمين طعامها و طعام فرخيهما إذا ما نقفا و حمايتهما بريش جناحيها و دفئ جسدها و نفسها من برد الشتاء القارس و الدفاع عنهما بمنقارها الحاد الممزق و مخالبها الحادة الجارحة لكن الزوج الوفي المحب رفض
الرحيل مع أسراب السنونو دونها !!!؟
رحلت أسراب السنونو جنوباً و الزوجان
الحبيبان الحنونان لم يرحلا – لم يرحلا
اشتد البرد و هاجمت ذئاب الرياح المسعورة
تنهب من أغصان الأشجار أقدامها
فتعرى العش و انكشف أمام عيون و مخالب العواصف الباردة الناهبة الممزقة الشريرة  غمر الوالد عشه بجناحيه يحميه من صقيع البرد القاتل و يقيه براثن الرياح المسعورة الناهبة الممزقة متحينا الفرصة تلو الفرصة للبحث عن دودة تائهة هنا أو حبة قمح ضائعة هناك و يوماً إثر يوم يستحيل الطعام و تصعب الحماية من البرد القارس القاتل و الرياح و يزداد إلحاح الزوج في الطلب من زوجته ترك العش و الرحيل جنوباً لاستدراك النجاة قبل فوات الأوان لكن الزوجة تأبى التحدث في ذلك أو الاستماع إليه و أخذت تقسو عليه توبيخاً و تقريعاً و تتهمه بقساوة القلب و شح الحب و قلة الوفاء و ألحت عليه الطلب كي يرحل وحيداً فينجو بروحه و جسده و يريحها من سماع نعيبه المقيت المشؤوم و أقسمت إما أن تحيا مع فرخيها أو تموت معهما
**
أحبط الزوج بقساوة تقريعها وجحودها و نكرانها لوفائه و تضحياته و اتهامها له بشح الحب و قلة الوفاء فانكب عليها باكياً معاتباً بدموعه الحارة الغزيرة معانقاً مودعاً على أمل اللقاء في الربيع القادم ثم هبت بجناحيه رياح النجاة راحلاً نحو الجنوب الدافئ و بعد جهود مضنية و طيران متواصل أدرك أسراب السنونو و نجا بروحه و جسده
و في الربيع عندما امتدت الشمس بدفئها شمالاً تنادى  السنونو للرحيل كان الطائر المحب الوفي في مقدمة الأسراب حاثاً المتخاذلين من رفاقه على المضي في الطيران دون توقف دون إبطاء أو تخاذل
و ما إن دخلت أسراب السنونو أجواء الشمال وأمسى الزوج المحب و الوالد الحنون في حمى عشه حتى انقض عليه كالصاعقة .
لم يجد الطائر المشتاق في عشه أحياء لقد كانت حبيبته .. ميتة فوق فرخيه الميتين
حزن الطائر حزناً عظيماً و ندم ندماً شديداً و بكى بكاء مراً و ظل على هذا الحال حتى سقط فوق عشه ميتاً
**
لقد كان في هذا العش في هذا الوطن الصغير و الحبيب حنان – محبة – وفاء – فداء
بذل و عطاء ثم موت أعظم من الحياة
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عجاج عبد النور