أحلام..والنسيان

العدد: 
15159
التاريخ: 
الأحد, آب 26, 2018

أعترف أولاً أننّي قرأت روايات الكاتبة الجزائرية المقيمة في فرنسا أحلام مستغانمي ،والتي تزور الجزائر بين فترة وأخرى ،وتشارك كل سنة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بالحضور الشخصي وتوقع بعض كتبها ..وأعترف بأن ثلاثية مستغانمي (ذاكرة الجسد –فوضى الحواس –عابر سرير )قد أدهشتني كما  أدهشت مئات آلاف القراء إذ يقول تقرير لمجلة (فوربيس )أن أكثر من ثلاثة ملايين نسخة قد طبعت من أعمالها .
غير أنّ روايتها (نسيان كوم )وكلمة كوم جاءت بالانكليزية في العنوان أي كلمة عربية (نسيان )”و(كوم )بالانكليزية وهذا مالم يعجبني .ثم إن الرواية من أولها إلى آخرها تحريض للمرأة على الرجل أن تنسى كل الماضي ..وتقابله بالإهمال والنسيان لأنّ نعمة النسيان ما بعدها نعمة .بمعنى أنّها تضع المرأة في مواجهة الرجل من خلال نسيان كل ما بدر منه ،وكل تفاصيل العلاقة بينهما ،سواء أكانت علاقة حب أو زواج أو إعجاب متبادل ..!!
وإذا كنّا لا نلوم أحلام ،الكاتبة المبدعة ،على دفاعها عن المرأة فإنها قد بالغت في جعل الرجل في الضفة الأخرى المواجهة للمرأة الذي هو عندها –عديم الوفاء سريع النسيان .
ولكن ثمة عبارات تعتمدها أحلام مستغانمي في الرواية تجعلنا نقف عندها مثل : (المرأة ناقة تساعد الرجل على اجتياز الصحراء ).وقد قرأنا عن الصحراء والحياة فيها ،ومعلوم أنّ الناقة صابرة على العطش والجوع وهي رمز للوفاء والتحمل وعشق المكان الذي تعيش فيه والمضارب التي تربت فيها وأنّ البدوي صاحب الناقة ورفيقها يعتبرها فرداً من أفراد أسرته ،ويدافع عنها ويحميها من كل خطر وثمة وفاء متبادل بينهما .أّمّا أن تكون المرأة مثل الناقة وعندما ينتهي دورها في مساعدة الرجل في اجتياز الصحراء وبعدها ،كما يوحي الكلام ،ينسى الرجل رفيقته فهذا ليس قاعدة ولم يذكر التاريخ أن رجلاً فرط بناقته أو امرأته إلا ماندر .
فالوفاء من شيم الكرام وهذه خصلة عربية من مفاخر العرب .وإذا ما كانت هناك أحداث متفرقة عكس ذلك ،فهذا ليس القاعدة بل الاستثناء .
أحداث روايات أحلام مستغانمي مثيرة ومتفرقة من هنا وهناك .إنّها لقطات تشكل بمجموعها المشهد الروائي والجميل الذي ابتدعته ووصل بها إلى شهرة عالمية .
في الجزائر من لم يقرأ كتب أحلام ،ومن لا يهتم بالقراءة ،فقد قرأ روايتها (فوضى الحواس لأنّها بدت فيها جزائرية مثل كثير من رواياتها ،ولأنها تحدثت عن اغتيال (بومضياف )رئيس الجزائر الأسبق الذي عاش في المنفى في المغرب ثلاثين سنة قبل أن (يتوسلوا)إليه أن يأتي ليصبح رئيساً ثم اغتيل لأنه أراد أن يفتح ملفات الفساد فقتله الذين ملؤوا  جيوبهم من خزينة البلاد ورهنوا الجزائر للبنك الدولي .
وفي الرواية تفضح مستغانمي العصابات الإرهابية التي ارتكبت المذابح بحق الجزائريين ،لكنها تؤكد أنّ الحياة مستمرة ،وأن (الإرهاب )حالة جرمية طارئة وهذا ما حصل بالفعل .
والمدهش في كل روايات أحلام مستغانمي أن الحب أمر واقع لا محالة وأنه آت وماعلينا إلاّ أن ننتظر فالنساء عقدن قرانهن على الانتظار .والرجال الرجال بمجيئهم تتغير الأقدار .ولعلّ هذه العبارات التي وردت في المقدمة والتي تؤكد فيها على أن الأمل معقود على (الرجال الرجال )اعتذار مقدم عما ورد في الرواية من اتهام للرجال الذين ليسوا رجالاً ،في تعاملهم مع المرأة التي هي رمز للحياة والخصب والاستمرارية .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل