الشاعرة عفاف الخليل ... المرأة أمّ الشعر ومفتاحه

العدد: 
15160
التاريخ: 
الاثنين, آب 27, 2018

تكتب الشعر وترتب كلماتها حتى تصل إلى السلام الداخلي و تقبض على قصيدة تبثّ فيها روح الخلود ..تتلمس الجمال الخارجي وتستشعره ... حتى تعزفه  بأدبيات من نسجها عندها فقط ترتاح وتشعر بأنها اختصرت الحقيقة بالشعر ، والجمال بالصور الشعرية.
عفاف الخليل لها ثلاث مجموعات شعرية تبدأ « بنبضات عاشقة» صدرت عام ١٩٩٩«وأزمنة لصيف آخر »صدرت عام ٢٠٠٥ و«إليك أشيل ارتحالي» صدرت للنشر هذا العام ٢٠١٨ وكتاب أبحاث اسمه «  أجمل ما قرأت» وسألت الشاعرة عفاف الخليل :
- ماالذي تضيفه المرأة الشاعرة للشعر ؟؟
عندما تكون المرأة شاعرة هذا يعني ان تسكن دمها سنابلُ الألق ..وتبوح لها الجهات بطواحين الفرح ، وتنسكب اللغة بين أناملها جداول حب وياسمين .
 المرأة التي تتلو خرائط الوطن بقصائدٍ من نضار ..ويضجّ في أفئدتها وهجُ الحياة ..
عندما تكتب الأنثى الشعر تسحبُ الليلَ خلفها وتزيحُ السّواد وتنثرُ الشّغف في أردان القصائد ..تتفقد نوافذ الأسئلة ، وتبوح للفضاء ما يحمل هذا القلب.. عندما تكتب الأنثى الشعر فهي لا  تضيف شيئا للشعر لأنها تصبح الشعر نفسه مرةً واحدة .
المرأة هي أم الشّعر ومفتاحه ..المرأة هي الحبيبة التي ترفل ُ في القصيدة   بين الحروف كما ترفل في المنزل .. لتشعلَ فيه الحياة ..المرأة الشّاعرة هي التي ترتب القصائد وتشعلها بجمر احساسها الأنثوي فتلبسها فساتين مزركشة وتضع لها أحمر شفاه يليق بروح الشعر .
عندما تكتب الأنثى  ، تتفقد البسيطة خمرتها وعِنَبها وتفتشُ السماء عن مطرها وقوس قزحها  لان كلّ ذلك سيكون
 بقصيدة تكتبها المرأة..
أقول في أحد المقاطع  :
« اليوم رُزقت بقصيدة منك
كانت تتلعثم بحنانك ..
اليوم تعلمت الكثير من الكلمات
لن أقولها كلّها .. ساقول فقط .ما غسلته البارحة تحت المطر .»
-  السؤال الثاني : هل نعود إلى بداياتك والعوامل التي اسهمت في صياغة عالمك الشعري ..؟؟
أنا ابنة الدهشة .. وسليلة الضباب ..انا من أمطرت عليها غيوم محمود درويش ونزار قباني وبدر شاكر السياب ومن تعمّدت بمياه المتنبي وابو تمام وحديثا أدونيس
هؤلاء الذين حفروا في ليلي عادات وزرعوا في دميا حقولاً أقطف من نتاجها القصيدة ..؟؟؟؟
لم أبحث يوماً عن الشعر كان الشعر يأتي في الطريق وانا أبحث عن ذاتي عن الجمال ..عن الطبيعة وعن الذاكرة الممتدة من واقع الفرح الى ملاحم الغيم .
والدي مدرس اللغة العربية ومؤلف أكثر من ثلاثين كتاباً بين شعر وقصة وأبحاث كان مرشدي الاول والمكتبة التي حملت بين رفوفها عوالم غريبة عشتها طفولةً وشباباً جعلت مني أنا أخرى ..جعلت مني أكثر استشعاراً للحب والجمال ودعتني  لاختصر صوتهما  في قصيدة .
إننا عندما نستسلم لعوالم الجمال ونتهجى الفراغ ونسحب غمامات من قبّة رأسنا إنّما ندعو وبفعل الجاذبية الروحية قوافل المحبة أن تستوطن دمنا  عندها فقط نكتب القصيدة .
دراستي للادب الانكليزي والاطلاع على شعر الادباء الغربيين من شكسبير وبايرون الى الفرد توماس ولورانس و جون داون وغيرهم كل ذلك عزز عندي الذائقة الشعرية والصور الغريبة والافكار العميقة وولدت القصيدة الملونة بالحب والحروف التي تتسلق الزمن الصعب إلا انّها اصطدمت في مرحلة ما بالعادات   وشربت من مياه جوفية ، راكدة ..رأيتها تحزن تارة وتفرح تارة أخرى عندما كانت تحاول الهروب من أفكار مقولبة حتى افلتت قصيدتي وتحررت من كلّ شيء وهاهي حرّة ، طليقة بين توسل الحب وغمرات الفرح  تومىء للإيقاع بمدار جديد .
ففي إحدى القصائد أقول :
« أريد أن ألوّن الوقتَ بك
أضيءُ الفراغَ بوجودِك
لينبتَ عشبٌ على خوفي
وزقزقةٌ على كلماتي
فقط تلويحةٌ منك
تزيحُ كلّ وساوسي وأنجو
بدمعةٍ في نهايةِ القصيدة ..!!
- السؤال الثالث : كيف ترين الحركة الشعرية في حمص بشكل عام وحضور المراة الشاعرة في المشهد الثقافي !!؟؟
على الرغم من قلّة الجمهور الشعري واختصار الجمهور الكبير للثقافة بمفهومها الواسع على الثقافة  الفنية من غناء وموسقا ومسرح وسينما على حساب الفكر والادب بشكل عام والشعر بشكل خاص . الشعر  الذي يعاني من جمهور قليل وهذا المشهد ليس فقط في حمص دون غيرها بل في كلّ أصقاع البلاد وهي مشكلة جيل كامل وذائقة ثقافية عامة تتعلق بسوء توجيه هذه الأجيال وانحسار اهتماماتهم ،  وليس بسبب سوء الشعر نفسه بل هو  اهتمام جيل برمته  هذا من ناحية ومن ناحية أخرى الحرب الشعواء على بلدنا جعلت الجمهور يهتم بما يُريح أعصابهم مبتعدين بذلك عن الأدب والفكر.
اما عن حضور المراة في المشهد الثقافي . يسعني ان اطرح طرحي المتواضع ان نمهل هذه الشّاعرة ...ان نتركها تلوّن الحياة وتكتب الألم وتزجّ خوفها بقصيدة هناك لتخط إوار العاصفة وتفتت جراح الريح .. اتركوا الانثى ترتل القصائد حتى تستيقظ روح المنازل وتثمل الأماكن  بروائح عطرها ..اتركوها تسجن قلقها او ألمها بقصيدة ..أتركوها تقف على المنابر وتقول : أنا ابنة عشتار .. انا ابنة الريح .. تسحبني ثلّة أحلام وقبائل من أيامي إلى سنابل من خوف وظلال من وجود .
انا لست مع سجن الشعر ولا سحب فيضانه من قلب أنثى... الأنثى تكتب لواعجها وتفلت خوفها في قصيدة ..
انا مع الانفتاح الواسع على الجمال .
 انا مع حريّة الكلمة والإحساس مهما يكن وممن يكن وذلك لسببين
الاول : إنّنا لسنا بصدد النقد الذي يُعتَبر شطرا خاصاً بالأدب له أهله .
ثانياً : يتبع لنظرية تقول كلّ أدب يُقدَّم يخضع لاحتمالين إمّا أن يكون فقاعة مصيرها الزوال فلا داعي لكي نبالغ في تحجيمها حتى لا تنفجر في وجوهنا .  او ان يكون أدباً حقيقياً فيحصل على مكانه بنفسه دون الحاجة للتصفيق والتهليل .
« يكفي انْدثارُكِ ..
في أوانِ الصمتِ
في زردِ الضباب
قومي ولمّي لعنةً للارض
حاصرها الغياب...»
السؤال الخامس : كيف ترين دور الشاعر في التصدي للمؤامرة الكونية على وطننا وكيف تؤدي القصيدة دورها في المقاومة ..؟؟
   القصيدة كما الجعبة هي مجموعة كلمات من رصاص ..والشعر المقاوم هو تاريخ حقيقي وهو عين الواقع التي تجيب عن الأسئلة وتزيح الليل ليظهر نهار الحقيقة .
ففي كلّ قصيدة تعرية لهذا الهجوم الشرس وتلك الغيوم السوداء التي امتطت سماء بلادي ..وفي كلّ قصّة رصاصة في صدر العدو وكما يُسمع ازيز الرصاص ليسطر ملاحم بطولة ويسيل دم الشهيد ليكتب تاريخا مجيداً كذلك يسيلُ حبر أقلام الشعراء ليعكس هذا الواقع ويحكي قصة وطن ومدن أطلقوا عليها الرصاص لكنها لم تمت... ويحكي
« قصّة أمٍ تعجنُ بالدمعِ دعاءَ الولدْ
وتتلو  انتصاراً .. يهزّ البلد »
وتتالى القصائد التي تحكي عن
« طفل  مات تحت الركام
وأمٌ تستغيث ..وأبٌ يمشّط القهر
وطفلةٌ ربطتْ ضفائرها بالمجد..
المجدُ الّذي تركه والدها
لينامَ تحتَ شاهدةٍ من رخام »
نعم انّها القصائد .. التي لن تموت لانّها ستصبحُ تاريخاً ولأنّ التاريخ هو أدب الشعوب وستبقى القصائد تحكي عن ملاحم وابطال ولن تترك الحقائق تتسرب من بين انامل الزمن بل ستمسك زمامها لتوثق ما مر وما سيمر !! ستحكي عن تاريخٍ مرّ على وطن جُرح بسبب الذئاب الذين جاؤوا من كل حدب وصوب !!
الشعر هو ذاكرة الامة وهو تاريخها والشعر المقاوم هو توثيق تلك الذاكرة  على مدى الحرب وحقيقة ماحدث وما سيحدث !!!.
آه وطن .. قم يا وطن
ما زال في دمنا زمن ..
قم لمّ فينا  الياسمين
وفطور جدتي المكثّف
بالاماني والحنين ..
وسألتها:
سمعت انك تدْرُسين علومَ الطاقة والتنمية البشرية ماذا أضاف لك ذلك وللشعر ؟
التنمية البشرية تعتني بالفكر وتعلمنا كيف نستخدم مهاراتنا في التعامل مع الحياة .. استطيع أن اختصر الفكرة بالمقولة التي تدعونا ان ننتبه إلى أفكارنا لانها ستصبح أقوالاً وأن ننتبه إلى أفعالنا لأنها ستصبح عادات وأن ننتبه  إلى عاداتنا لأنها ستصبح طباعاً وأن ننتبه إلى طباعنا لأنها ستحدد مصيرنا ..وهنا تأتي التنمية البشرية لتعلمنا كيف نخطو هذا السّلم درجة درجة وبهدوء وتقنية ..نعم الفكر والوعي يفتح مدارك الإنسان ويعلمه ماذا يريد وكيف يعيش وكيف يتقن العيش ويكون سعيدا بكل ما وصل إليه وأيضا الوعي الذي نصل إليه بالتنمية البشرية يدعم مسيرتي الشعرية لان الشعر هو فكر بالنهاية وهو إيصال رسالة ولكن المهم ان نعرف متى واين وكيف نوصلها .
- السؤال الأخير : عن أعمالك القادمة !!؟؟
لقد وثّقت بعض القصص التي كانت قريبة مني ..في حارتي والجوار  بمخطوطة قصصية أعمل على نشرها بعنوان ( مذكرات حرب ) .. وكتاب آخر يخصّ التنمية البشرية « كيف نتعلم التفكير ».
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل