براعم تنمو على ضفاف الشعر

العدد: 
15161
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 28, 2018

مجموعة من القصائد النثرية نشرتها الشاعرة (وداد سلوم) في مجموعتها الأولى (ضفاف تخلع صفصافها) لتقدم نفسها من باب الشعر النثري الذي يلجا إليه الكثير من الشعراء- لاسيما الشباب- هربا من قيود الوزن، أو تخففا من قواعد الشعر. وهذا الخيار يتناسب مع العوالم الداخلية لتلك القصائد، فهي تنأى بنفسها عن حرفية الصنعة وتقترب من طبيعة الفطرة، فالمجموعة مكتوبة بدفقة شعرية واحدة، حتى لا نكاد نجد انفصالا ما بين قصيدة وأخرى، وكأن صفحات الكتاب تحتوي قصيدة طويلة تتوزعها عناوين فرعية هي عناوين القصائد، ويعود هذا إلى التشابه في الشكل الخارجي، والتماثل في المضمون، وهذا لا يعني الجنوح التام نحو التكرار الحرفي والتطابق التام.
(بعينين شاخصتين
تلتقطان طنين الهواء،
أرقب الطريق الصاعدة
أتراه يمر ثانية
ذاك الراعي الذي أضاع خرافه
في أحشائي؟!!).
رغم تقارب القصائد في الكثير من سماتها الرئيسية فإننا نجد قلة القصائد الطويلة في هذه المجموعة الشعرية، فثمة ميل واضح إلى القصائد القصيرة، حتى إن بعض تلك القصائد مقسمة إلى مقاطع مرقمة أو منقطة، والكثير منها يصلح للكتابة في صفحة مفردة بعنوان مستقل. ففي الديوان عدد لا بأس به من القصائد القصيرة المعنونة، وهذا كان انعكاسا جليا للرؤية السردية الشعرية لدى الكاتبة، فهي تميل إلى اختزال الجمل وتكثيفها وهذا كان في صالح القصائد التي خلت في الكثير من الأحيان من حشو مفتعل لا مبرر له.
(موت
الياسمين شذى
أودعته الحبَّ،
فأتاني أبيض
كالكفن!
تتسرب الأنفاس ببطء
وأنا أفقد رحيقي
قرنفلة مزهرة.
أيتها النوارس
حلقي ما شئت من السنين!
الجزر تختفي
والشواطئ تهاجر إلى القاع.
أمضي
باحثة عن ثلة الألوان
وأنا وحيدة في لجة البياض،
صقيع يغلف روحي).
لقد نجحت الأديبة في الفرار من مصيدة الغموض المفتعل، أو اصطناع الإسقاطات الرائجة، أو الاتكاء على القضايا الكبيرة، فقد اختارت تناول التفاصيل الصغيرة المبثوثة في ثنايا الحياة اليومية، وإعادة تقديمها بعفوية طازجة لتعبر عن حالة نفسية مفرطة في الذاتية، ولكنها في الآن ذاته قد تتقاطع مع معاناة الكثير من الناس حيث تتشابه الأحاسيس والمشاعر.
(أليفان كقهوة الصباح
وهزائم الحروب
حميمان كألعاب الطفولة
قريبان
كمرض وراثي
وبعيدان
كالسعادة!!!).
يحضر جدل العلاقة القديمة المتجددة بين المرأة والرجل في أكثر القصائد، وذلك منذ الرغبة في اختيار شريك، مرورا بالخيبات التي تحيق بالعاشق، وصولا إلى السعادة التي تبدو مجرد أمنية بعيدة، انتهاء بالذكريات القابلة للاستعادة مهما كانت مؤلمة.
فالحب يبقى الموضوع الأثير لدى الشعراء والشاعرات على اختلاف المشارب، لأنه الأقرب إلى البوح الوجداني الذي هو مادة الشعر الأولى.
(الحب الذي عانق أيامي،
غفا على أريكة الوقت
مترعا بالحزن..
أقام في ياسمينتي ردحا
وسقط على الرصيف
ذكريات).
قدمت الشاعرة (وداد سلوم) منذ مجموعتها الشعرية الأولى تجربة أدبية جديرة بالاحترام والتقدير، فثمة محاولات جادة للخروج بصور جديدة تحاول الانزياح عن المتداول المكرور، مع الحرص على انتقاء المفردات من قاموس الحياة اليومية وصياغتها بتراكيب بسيطة تختزل حالات إنسانية حميمية بومضات مكثفة قدمتها للقارئ بعد إضفاء شيء من لمسات الشخصية أعطت للمجموعة الشعرية تميزا واضحا على صعيد الإصدارات المحلية في قصيدة النثر.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي