عندما أوغل فيه الزمان

العدد: 
15164
التاريخ: 
الأحد, أيلول 2, 2018

لم تكن الشمس قد نثرت بعد خيوطها الذهبية فوق وجه الأرض و لم يكن أحد قد غادر منزله سعياً وراء الرزق و العمل المبكر إلا قلة قليلة من عامل أو فلاح توجه إلى حقله الصغير   
وحده كان يسير في زواريب القرية و دروبها الضيقة متدثراً بمعطف قديم يلازمه حتى الآن ،لأن الحياة بدأت تنفث سمومها بغلاء فاحش يغتال روحه
كان سابقا لا يخشى شيئا ولا يخاف قسوة الحياة لكنه اليوم قد ودع الشباب وأوغل الزمان فيه حتى نخر عظامه وقلبه وكل شيء فيه المرض بدأ يغزو جسده والكآبة تسللت إلى روحه الظامئة بالحنين للزمن الجميل
أصبح كل شيء في هذا العالم ثقيلاً على نفسه وجسده وروحه سرطانا مدمراً يخرّب النفوس فما الحيلة إذن  الدواء غال والمازوت في ارتفاع مستمر كذلك الكهرباء تنقطع باستمرار إجرة النقل مرتفعة و لا دخل له سوى راتبه التقاعدي الذي بات في مهب الريح لا يكفيه سوى أيام معدودات في أوائل الشهر .
اقترب من سيارة الأجرة التي ستقله إلى مكان قبض راتبه التقاعدي دس جسده الهزيل عبر جوف السيارة المدهوشة بالبشر على كل مقعد يجلس أربعة أشخاص  متراصين كقطرميز مكدوس ،الملامح كلها شاردة¸أحاديث الناس داخل السيارة متعددة تعمق الإحساس بأعباء الحياة استفاق فجأة على صوت سائق السرفيس «الأجرة يا شباب » اخرج ورقة نقدية اعتاد أن يدفعها في رحلة آخر كل شهر فأطلق السائق لسانه السليط “الأجرة ارتفعت” استعاذ بالله من الشيطان الرجيم قد أتاه عبء آخر من أعباء ظروف الحياة تسابق السيارة في سرعتها وأصابع يديه تتحسس ما تبقى من بقايا نقود قليلة قابعة في جيب معطفه القديم مختنقة بأشباح الخوف من الأيام القادمة التي تطبق بفكيها لكنه رغم ذلك ما زال يحب روح  الحياة في أرضه الندية و قلبه ينبض اعتزازاً بالوطن ، ينظر إليه نظرة حنان .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عفاف حلاس