الحب والحرب في ديوان الشاعر وليد العرفي

العدد: 
15166
التاريخ: 
الثلاثاء, أيلول 4, 2018

أن تكون شاعراً في زمن الحرب والقتل والتدمير، فتلك قصة يعرفها السوري الذي عاش بين حمى القذائف، و أزيز الرصاص.
وحده الشاعر انعطف عن شارع الحرب إلى حيطان الأمل ، لتورق حروفه  ياسميناً ، وحده الشاعر اختار مصيره ، هكذا صنع حياته على مقربة من موت وشيك، ورمى بحمله الثقيل على أكناف القصيدة، لتجيء قصيدته وعداً بيوم جديد وأوقات جديدة لاشك فيها حين يورق الحرف....وعلى هذا تتبدى عتبة ديوان الشاعر الدكتور وليد العرفي الموسوم:((ويورق الحرف ياسميناً)) ضرباً من الخيال، لكنه وعلى الطريقة السورية تأكيد على الوجود الذي أرادت همجية المعتدين على الأرض والحضارة نفيه....إنّه استعادة سريعة للهوية الإنسانية التي حفرت عميقاً في الوجدان السوري، ويحمل معوله ليبني ويزرع، فيخضر الزرع وتنبني الحضارة على وقع خطوه، ويزهر الياسمين، وتتجدد دورة الخصب والنماء , وعلى نبض المحبة والسلام ينادي الشاعر(حِمْصَهُ/المدينة) بلفظ (حمص/ الأم) التي تضم أبناءها بكل حب وحنان، وهي تصفح عمّا بدر من بعضهم، في دعوة صريحة للحب والصفح والتلاقي على مهادها الحانيات... يقول الشاعر:
فليس في حمص غير الحبّ يجمعنا       مهما افترقنا يظل القلب خفاقا
حيث الهوية السورية الجامعة لأهل المدينة تتحول فكراً هادياً ونبض قلب:
سوريتي وأنا الحمصيّ أحملها   
                                فكراً ونبضاً وجلَّ الحمْلُ أعناقا
ولاغرو أنّ ظمأ الشاعر لا يُروى بغير ماء بردى ، و لا عطر سوى ما يضوع عن ياسمين الشام :
فما سوى بردى يروي بنا ظمأ      
                     وما سواها نرى في الحسن أحداقا
وما سوى ياسمين الشام عطرنا          
                          وقد حملناه ضمن الروح أطواقا
 هكذا يجعل من كلماته مظلةً تجمع الحبّ وتُحيل عليه محوراً لـ اللقاء المُرتجى، واستعادة للتاريخ الأدبي والثقافي الحافل بالشعر والإبداع ‘إذ تُكنى المدينة باسم شاعرها الأثير ديك الجن ليغدو علامتها الفارقة، ولحظتها المُستعادة، فهي مدينة الشعراء، وليست محطة الهباء القادم من خلف الحدود؛ الهباءالذي أمسى بؤرة للحزن والفجيعة، وسبباً مباشراً للموت الأسود.
لكن الشاعر لا يركن لهذا الواقع ، بل يجعل من إطلالة ديك الجن مناسبة للاعتذار عمّا بدر من لوثات وجنون وآثام:
كأنّما ديكُ جنٍّ جاء معتذراً      
                                لـ (ورده ) طائفاً بالحزن آفاقا
وفي مدينة ديك الجن يكون اللقاء، وهنا يَتخذ الياسمين من الشرفات منبراً للعشاق، ومتسعاً لبياض يطرد سواد الشِّقاق وأفعاله الشائنة...إنها حمص الملآنة بالعشاق تُصرّح باسمها علامة لكلّ محبٍّ فيها ولها:
 يا حمصُ مازال في الميماس عشاقُ
     والياسمين على الشرفات مشتاق
ويأتي المنادى النكرة المقصودة (يا حمصُ ) ليفتح دلالة الاسم على نوافذ أخرى ألمح الشاعرالمبدع أنها نوافذ عشاق ومحبين جددوا الولاء للمدينة/ الحبيبة؛ المدينة التي أخذتها يد أثامة في لحظة يُراد لها التنكير قصداً.
 في قصيدته (إميسا) يقول الشاعر:
 ((خرجت أمشي في طريقي ما دريت...
أني أسير بغير روحي إذ مشيت))
هنا يغدو المشي في مدينة الروح/حمص وكأنه نقض للوجود/العيش، فالروح التي تشربت عشق المدينة وأعطتها اسمها ووصفها ورائحتها وحميميّتها بعيدة المنال، ثمة روح أخرى مثقلة بالغياب والنزوع إلى الماضي القريب ، ثمة روح تحن إلى كل شيء، إلى كل فاصلة، إلى كل وقفة، إلى كل ركن، وثمة أسماء تتعالى وتتصعد آهاتها في الذاكرة المثقوبة بألف رصاصة، وبمئات القذائف الحاقدة، إنها لحظة التذكر/الفاجعة حين يتحول الأبيض إلى سواد فاحم، وضباب قاتم/ ولاشيء للشاعر سوى تلك الأسماء ، وهاتيك الأماكن الغاليات كقطعة من روح  منشدها ، تلك الأماكن - الأسماء _ الفواعل في قلب عاشقها المستكين لأمل الاستعادة رغم غربته الراهنة عنها.
 ولأن مدينة الحب زادت حرفاً على صفتها ، وغدت مدينة الحرب يحاول الشاعر ما بين حاء الحب وباء الحرب أن يقتسم أرغفة عشائه الأخير على أرصفتها الأليفة، وهي تستمر، تطارده، وتسأله عن الأصدقاء والأحباب يقول:
(( حمص تطاردني بعينيها وتسألني عن الأحباب
وأنا المحب ُالعاشق المغرور أهرب من إجاباتي
وأسئلة على الأهداب
وأسير في حمص وتنكرني شوارعها
                                    لا روضة الشعراء جامعة لشلتنا  
   ولا الدّبلان مكتظاً كما كانت مساءاتي
            ولا الحارات حارات ولا الجيران جيراني)).)
وفي تناوب البياض والسواد على مساحة أوراق الديوان يتأنق الشاعر ، ويجهد بالخروج علينا بمظهر الوفيٌ في حبه والشديد الإخلاص أيضاً، لكنه في لعبة الحب والحرب، التي برع فيها، يجعلنا شركاء له في الأمل المعبر عنه بالياسمين حين يورق، ويفتح بابا سرياً للمستقبل الألق، ويقدم في ديوانه تجربة سورية حقيقية تنقلت في مفاصل الحرب، وأعفت نفسها إلا من اتباع الجمال والكلام عليه شعراً وإبداعاً.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. يعرب خضر