بين مطرقة ارتفاع تكاليف الإنتاج وسندان الأمراض و صعوبة التسويق ..الفلاح الخاسر الأكبر

العدد: 
15168
التاريخ: 
الخميس, أيلول 6, 2018

منذ زمن ليس ببعيد كان من يمتلك بستان تفاح من المحظوظين وميسوري الحال ,واشتهرت قرى الريف الغربي لحمص بزراعة شجرة التفاح لجدواها الاقتصادية - فيما مضى- لكن ومنذ سنوات عدة  أصيبت أسعار (كل شيء) بالجنون و أصبحت تشهد ارتفاعاً صاروخياً ليتجاوز سعر ساعة الحراثة الألفي ليرة  ويزيد بحسب الآلية , ليتبعها غلاء أسعار الأسمدة والمبيدات والأدوية الزراعية , ولتختتم بتلاعب تجار السوق بالأسعار كما يحلو لهم وينخفض ربح المزارع إلى النصف إن لم نقل أقل... هذا في حال لم تأت جائحة جوية أو مرضية على الموسم كله..

 تسويقٌ لايزال خجولاً وشروطه (صعبة)

العروبة جالت في قرى عين  الفوار وبحور والمرانة وحاصور وشين وغيرها من القرى التي  تشتهر  بزراعة  التفاح  بشكل رئيسي  إذ يوجد في قرية عين الفوار 1600 دونم مزروع بالتفاح أي مايعادل حوالي 64 ألف شجرة  علماً أن  عدد  السكان  بحدود  ألف  نسمة  ويعتمد سكان القرية في معيشتهم  على  موسم  التفاح  بشكل كامل تقريباً
مزارع من قرية المرانة  قال:  موسم  التفاح كان  جيداً في المنطقة  لكن منذ سنوات عديدة أصبح   موسم التفاح يشكل عبئاً على المزارعين  إذ يعانون  من ندرة المبيدات الكيماوية  وإن وجدت فهي بمواصفات  سيئة  ولاتؤدي الغرض المطلوب منها  و تصيب المحصول بالضرر وليست فعالة و هذا الأمر تثبته الأمراض التي تزداد كل موسم سواء بالشجر أو الثمر  ..
وقال: ونتمنى من الجهات المعنية أن تكون المراقبة  مشددة  على  الصيدليات  الزراعية وأن تشرف  عليه  مباشرة لتكون  الأدوية  التي نتزود بها  فعالة  للقضاء على  الأمراض و الآفات  الزراعية  ليضمن الفلاح موسماً جيداً ويحافظ على أشجاره ..

ذهب المرض وجاء البَرَد ..
 وحاصور خارج الحسابات
أما في قرية حاصور قال رئيس  جمعيتها الفلاحية موريس الأحمد إن المساحة المزروعة بأشجار التفاح تصل إلى 5300 دونم تضررت بسبب موجتي البَرَد بنسبة 90% - وفق تقديرات صندوق الكوارث – و لكن لم تشمل التعويضات إلا 2500 دونم رفض فلاحوها ضمهم بالتعويض  اعتراضاً على الغبن الذي لحق بالنصف الثاني من القرية والسبب اختلاف بالتنظيم!!

التعويضات لم تصرف بعد...
من جهة ثانية قال أحد المزارعين:ندفع تكلفة عالية جداً خلال العام للعناية بأشجارنا ,وأثناء القطاف نبيع  التفاح  بأبخس الأسعار وأضاف آخر: تقف عقبة الأدوية الزراعية و الأسمدة كحجر عثرة أمام عمل المزارع  وغلاء الأسعار ليس بالأمر السهل حيث تبلغ تكلفة الرشة الواحدة 30 ألف  ليرة  سورية  و خلال الموسم الواحد يبلغ عدد مرات الرش  من 10 إلى 14 رشة  فتكون  التكلفة  لرش المبيدات  فقط  أكثر  من 350 ألف  ليرة , وحبذا لو يتم تزويدنا بها  من قبل  الجهات الحكومية  كقروض يتم  استردادها على  مدى أربعة أو ستة أشهر كما  نطلب من مديرية الزراعة أن  تنظر بأمور الأدوية الزراعية الموجودة بالأسواق فهي سيئة  بنوعيها  الأجنبي و الوطني و تحديداً الأدوية  الخاصة  بمكافحة  دودة التفاح فسعرها غال  جداً و لا تؤدي النتيجة المرجوة ..
وأضاف إن الموسم  الحالي  ضعيف  بسبب  الظروف الجوية حيث ضربت موجتا برد الأشجار في مرحلة الإزهار وبعده, و تعويضات صندوق الكوارث لم تصلنا بعد.

التسويق خجول و بشروط صعبة!
ومنذ سنوات تعتبر مشكلة التسويق عائقاً كبيراً أمام المزارعين و ذكر ياسر بلال مدير فرع السورية للتجارة أن المؤسسة هذا العام تعمل جاهدة ووفق الإمكانات المتاحة لتسويق الكم الأكبر من المحصول ,وبدأت خطوتها بتقديم الصناديق و النقل بالمجان, وأشار إلى أن الكميات المتوقعة في المحافظة حوالي 100 ألف طن ,وأشار إلى توزيع 75 ألف صندوق على الجمعيات الفلاحية ابتداءً من 1-8 ليبدأ الاستلام في 1-9,منوهاً إلى التفاح الذي ستستلمه المؤسسة له مواصفات محددة و الأسعار مجزية بحسب النوع و النخب...وهنا مربط الكلام إذ أشار فلاحون في حديثهم للعروبة بأن الشروط صارمة جداً والتفاح الذي ستستجره المؤسسة يجب أن يكون نقياً كالذهب – على حد تعبيرهم- و هوأمر يصعب تحقيقه عند النسبة الأكبر من المزارعين بسبب العوامل الجوية والأدوية الزراعية المغشوشة..
رئيس الجمعية الفلاحية في حدية وجيه عيسى قال:استلمنا مبدئياً 4000 صندوق و العقد الموقع بعشرة آلاف صندوق و من الممكن تسويق كميات أكبر ,لكن المشكلة تكمن بدخول التاجر على الخط فهو يضمن البستان كاملاً بسعر 140 ل.س للكيلو و هو سعر ليس مجزياً لكنه أفضل للفلاح كون التاجر يأخذ كل التفاح الجيد و المضروب ,في حين تشكل شروط الشركة السورية للتجارة عبئاً كون الفلاح لن يتمكن من بيع كل التفاح وسيبقى عنده النخب الأسوأ ....
السيد حرب مخول  من قرية بحور طالب بتحديد سعر الكيلو غرام من  التفاح قبل  شهر من قطافه  من قبل المؤسسة  السورية  للتجارة حتى  يتمكن الفلاح  من  تسويق موسمه  و إعطائه للمؤسسة  أفضل  من  التاجر الذي  يتحكم بالسعر  كما يحلو له , وهذا  الأمر يعود بالفائدة على الفلاح  و الدولة .
وأضاف :من  الضروري  تشديد  الرقابة الحكومية  على الأدوية الزراعية  كما  نتمنى إقامة ندوات إرشاد على وسائل  الإعلام وفي الوحدات الزراعية  عن  أوقات الرش و التوعية.

البَرَد ..يكحلها ويعميها
و أشار رئيس الجمعية الفلاحية في  قرية المرانة إلى أن  المساحة المشجرة من التفاح في القرية  تبلغ 1700  دونم  و للتفاح  قصصه  التي تتكرر في  قرى الريف الغربي  فالأمراض المنتشرة  و  عدم توفر  الأدوية الفعالة ... كلها أمور أدت إلى تراجع المحصول عشرات  المرات  وبعد أن كان يدعم الأسر في معيشتها أصبح  يشكل عبئاً ولا يتمكن من توفير  ثمن الأدوية  و ساعات  الحراثة ليأتي البَرَد (و يكحلها ويعميها)..
وقال آخر :أصبح الاعتناء بشجر التفاح الذي ورثناه عن آبائنا  وأجدادنا صعباً  جداً فإذا  أنصفتنا  الطبيعة  و لم  ينل البرد و  الصقيع  من  الأشجار  و الثمار تأتينا  مشكلة التسويق  التي  كانت  عائقاً لسنوات  ولما  تمكنت  الجهات  المعنية  من حل المشكلة  جاءتنا  الأدوية  الزراعية منتهية الصلاحية  أو غير الفعالة  و  المحصول هذا العام  لم  يغط  التكاليف  بسبب الأمراض وموجتي البَرَد التي أصابت الثمار ..
بانتظار التعويض  
المزارع  محمود العلي  قال:  لا نعتبر أن  الصندوق داعم حقيقي للمزارع  كونه لايعوض إلا  إذا  تجاوز  الضرر 50%  من  المحصول و هو  رقم  كبير وفيه  إجحاف ,وعندما  يصل  الضرر  إلى  مرحلة  النصف  فما  فوق  لاتوجد  قيمة  تعوض الفلاح عن تعب و جهد  موسم كامل .

 أدراج الرياح
 وقال  أحد مزارعي  قرية رباح:  لم  يشملني  الصندوق بالتعويض لأن  الضرر  لم  يتجاوز  النصف رغم أن خسارتي ليست قليلة...
 وهنا – والكلام للمزارع نفسه – نسأل باسم كل فلاحي المنطقة  لماذا  لايتم  دعم المحاصيل  الزراعية على اختلاف أنواعها ؟ خاصة  و أننا  نعاني  الأمرين  ,وبشكل خاص هذا العام فالظروف الجوية  كانت  غير اعتيادية و سببت الضرر  لكل المزروعات  الصيفية  و الشتوية ..ولماذا لا يتم دعم مستلزمات الانتاج الزراعي كالأسمدة والأدوية الزراعية وغيرها؟؟
علي الأحمد  احد مزارعي قرية شين قال:نرى بأم أعيننا  تعبنا  يذهب أدراج الرياح  و السبب خارج  عن إرادتنا  ,و إذا  تم تطبيق معايير التعويض فكل المزارعين  يجب أن يشملهم  التعويض ولو بنسب  بسيطة تساعدهم على استرداد  ثمن  البذار و شيء  من تكلفة  العمليات  المرافقة  للاعتناء بالمحصول و التي اصبحت  أسعارها كاوية  و مرهقة جداً .
و في تصريح للعروبة قال المهندس محمد نزيه الرفاعي مدير زراعة حمص أنه و بسبب انخفاض كمية الأمطار خلال الشتاء  الماضي و انحسارها خلال شهري شباط وآذار ,و موجة البرد في آذار و الثانية في شهر أيار و التي كانت صاحبة الضرر الأكبر على التفاح   تحديداً  و على كل المواسم  بشكل عام ...كلها عوامل ساهمت في تضخم حجم  الأعمال الموكلة للصندوق خاصة في مناطق الاستقرار  الثانية  و الثالثة  و الرابعة حيث لم تتجاوز كمية الهطولات المطرية 50% من  المعدل السنوي.
مشيراً إلى أن اللجنة الوزارية لصندوق الكوارث والجفاف قامت بجولة على القرى التي أصاب  البرد  بعض حقول التفاح فيها ,حيث  وصلت المساحة المقدمة بطلبات تعويض لأكثر من 21 ألف دونم و المزارعين المتضررين 2397 مزارعاً ,وتركز الضرر في منطقتي المركز الغربي وتلكلخ وتتراوح نسبة الأضرار بين 40-90%  .
مشيراً إلى أن الأراضي تقع في قرى فاحل وكفرام ورباح وأوتان و شين و المرانة و المحفورة و المتعارض و عين الفوار وحاصور و القبو ومقلس والمزرعة و حارة محفوض و دوير اللين و بيت جرجس والدغلة و قرب علي و الكيمة ,والضرر  الأشد كان في قرى فاحل و كفرام و رباح.
وبالنسبة لقرية حاصور لن يشملها التعويض لعدم وجود تنظيم زراعي فيها..وهذا الموضوع يتبع للقوانين الناظمة لعمل الصندوق ..

الاتحاد معني بالتسويق
ولأن اتحاد الفلاحين يعتبر الجهة الداعمة للفلاحين و الناطقة باسمهم قال رئيسه إن التنسيق مع  السورية للتجارة  بدأ منذ شهر أيار ,على أمل أن يكون الاستلام بكميات أكبر من العام الماضي الذي كان ألف طن فقط من عشرات الآلاف , و أضاف :نتمنى أن يكون للمؤسسة دور أكبر في هذا المجال خاصة لوجود  برادات و وحدات خزن وتسويق وبالتالي فهي  قادرة على تخزين آلاف الأطنان ..
موضحاً أن  التعاون مستمر بين كل الجهات المعنية لمعالجة أي مرض ,ولم يحدث هذا العام أي أمراض وصلت إلى وبائية, وإذا حدثت فالمكافحة تكون وفق  برنامج متكامل  وعلى نفقة الدولة بالتعاون مع مديرية الزراعة ..موضحاً بأن الموسم لايخلو من الأضرار بسبب العوامل الجوية لكنه بشكل عام جيد و لم تسجل جائحة  مرضية .
وأضاف يوجد عدد من المراكز موزعة في قرى مختلفة لتزويد الفلاحين بأدوية زراعية مكفولة ومضمونة و جيدة النوعية يتم تأمين  الأدوية للمراكز حسب المواسم المطلوبة و بشكل مقبول إلى حد ما ,وبالنسبة لزيادة عدد المركز فهو ضمن الخطة.
أخيراً
ترجمة  الآمال إلى حقائق على أرض الواقع  من قبل  الجهات  المعنية و التي تتمثل بتأمين الدواء اللازم  و تشديد  الرقابة على  الأدوية المستوردة  منعاً لاستغلال  التجار للفلاحين  والعمل على  كبح  جماح  طمع  التجار و المحافظة على  هذا  المنتج  الزراعي المهم  مطالب ملحة  تتوجب من  الجهات  المسؤولة  وضع حلول جذرية لئلا تزداد الحالات المتكررة لقطع شجر التفاح من قبل المزارعين لتأكدهم   بأن  الموسم لن  يأتي بأرباح تغطي تكلفته إذا استمر الواقع على  ما هو عليه .
 

 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
تحقيق وتصوير: هنادي سلامة - محمد بلول