تحية الصباح.. من مشط ومقص إلى قلم وورقة ...!!

العدد: 
15168
التاريخ: 
الخميس, أيلول 6, 2018

مهنة الحلاقة ، قديمة جداً في التاريخ ، حتى يقال إنها كانت مهنة مرغوبة وفنية في عهود البابليين والإغريق ..!!
الحلاقة تحتاج إلى مقص ومشط ..ليس أكثر . ثم جاءت ماكينة الحلاقة اليدوية ثم الكهربائية ...!! والحلاق يخضع له رأس الملك ، كما يقول المثل الفرنسي .
بدأ حياته حلاقاً ...بل مساعد حلاق في حي القلعة في اللاذقية .. وجاءها من اسكندرونة ....ثم إلى دمشق ليصبح أشهر الروائيين العرب ....بعد نجيب محفوظ ...!!
هذه باختصار حياة حنا مينه الذي رحل عنا قبل أسابيع ..بعد أن أكمل الرابعة والتسعين من عمره ...!!
أي عبقرية استثنائية ..أي رجل رحل ..أي قلب توقف ...!!
الطفل البائس المشرد ، الفقير « المعتر» في شوارع اسكندرونة ثم في اللاذقية ...الروائي الملاحق بسبب نضاله ضد الفرنسيين .........المنفي في بيروت وأوروبا ..
أضحى علامة بارزة في الرواية العربية ..خمس وأربعون رواية منها خمس عشرة رواية مترجمة لكل اللغات الحية ...!!
إنه ( حنا مينه ) ...وكفى!!
عندما تجمع خمسون إعلامياً في منزل نجيب محفوظ فور إعلان فوزه بجائزة نوبل كان السؤال الأول له (  من ترشح من الأدباء العرب لنيل الجائزة بعدك؟!) أجاب محفوظ بكلمتين (حنا مينه )
في زيارة لي للشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري في منزله بدمشق ذكر لي أن ( الدكتور حنا مينه زارني أمس ...!!) وهمس في أذني نجله الدكتور المهندس كفاح مبدداً عجبي ( أبي يتذكر كل المبدعين ...!!)
وسأل أحدهم مينه ( الجواهري قال عنك دكتوراً ...من أي جامعة تخرجت ؟!)أجاب مينه ( من جامعة الفقر الأسود ...!!)
حنا مينه ..الذي يضاف اسمه إلى قائمة الراحلين رمزاً أدبياً عربياً سورياً ، يترك مكانه شاغراً كأول روائي بعد محفوظ إلى أجل غير مسمى ...!!
هو القائل ( الرواية ستكون ديوان العرب ) وامتعض شعراء كثيرون لمقولته وهو المغرم بالشعر والذي يحفظ منه الكثير ، أكثر مما يحفظ الشعراء ..وبالفعل وصلت الرواية إلى مكانة مرموقة لتنافس الشعر وتصبح ديواناً للعرب ...!!
عاد مينه إلى اللاذقية لينام في ثراها ، كما أوصى فحب اللاذقية كان حبه الأبلغ ، كتبه على جبينه وصدره وعنقه وأصابعه ،وكتبه على احجار القلعة ورمل الشاطىء ، وفي كل شارع وبيت .
حنا مينه ...لا يغيب . هو بيننا ، رواياته تملأ مكتباتنا ..بعد ألف سنة سيقولون ( كان حنا مينه....)
يأخذنا إلى بحار الدنيا ، دون أن نغادر منازلنا .
المبدع يعيش في قلوب الناس جميعاً ، لاسيما قلوب مواطنيه .. ومينه مبدع وطني بامتياز ، انتماءً وعشقاً ..لم يغادر وطنه سورية إلا مجبراً ...
فقد قطع عهداً على نفسه ألا يكون له خارج سورية ، مسكناً أو قبراً ، ...وهو المبدع العالمي الذي يمنح المكان الذي يقصده شهرة وخلوداً ..
في مقبرة الفاروس ..يستريح حنا مينه بعد كفاح طويل مرير ..بالقرب من البحر ..بعد أن ودعه السوريون الوداع الذي يليق به ..
فسورية تعرف كيف تحتفي بمبدعيها في الحياة ...والموت .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل