كأنها تنتظرني!

العدد: 
15169
التاريخ: 
الأحد, أيلول 9, 2018

لأكثر من ألف مرة، ها أنا أرتب أشيائي في حقيبة وأسافر مجدداً إلى تلك المدينة..موعدنا بعد أن ينتصف الليل..سأمضي إلى ذلك الركن وأصل!!هذا هو الشارع، وذلك هو البيت؟.. وها أنا في كل الأزمنة، أتجدد، فأشعر أن تلك الأزمنة تنتظر عبوري، فأمرُّ بواحد منها...بمحطة!!ليس لدي شك في أنني سأنجح ساعة ينام الناس، ولا يبقى إلا المصابيح الباردة معلقة في أعمدة الكهرباء وهي ترتعش تحت حبات المطر..أصير وحدي! فوق الأرصفة الخالية إلا من صوت الريح!
الأمكنة وقتئذ موحشة، لكنني عندما ستحضرُ كل ما كان، تدب في خلايا جسدي ساعات الدفء...وأرى روحي تستعيد خضرتها، وأنا أغرق في التذكر..!..هذا هو البيت..في الدور الخامس مطلاً على وجهي.. كأن الرصيف في الأسفل يضحك، والقمر يقف في منتصف الشهر، بدراً يرمي فضته في الوجود..الشباك المغلق على الشرفة الحزينة..سينفتح بعد قليل..ويطل وجهها كشمس الصباح خجولاً...في هذه البقعة من الأرض..تحت البيت..تحت إطلالة وجهها...الزمن كلعبة في يدي!!صحيح أنه يركض للأمام..كأن المستقبل حاضر، والحاضر ماضٍ..لكنه يتقهقر الآن، ويعيد إلينا ماضينا إذ كنا نرغب بقوة في استعادته!!
في تلك الساعة استوحشت كالأرصفة الفارغة!أريده بقوة وحشية أن يعود!..أن يعود إلى الموعد السري بيننا، حيث عقارب الساعة تتأرجح بين الثانية وآذان الفجر!..لأكثر من ألف مرة..ولن أعترف بالهزيمة أو الفشل!..يستكشفني ضوء الفجر الأول وهو يهرب من اقتراب طلوع الشمس، حيث يبدو الزمن أحادي الجهة يعدو مسرعاً..ولن يفلح الزمن أمام إرادتي في إقناعي بأنه يمتلك ناصية الجهات..أنا لم أفشل!وسأخرج من محاولتي مكتظاً بالحنين..هذا الحنين يعني أنني استعدت الزمن المنشود، الزمن الذي راح شامتاً!..وظنّ أنه مضى دون عودة..وها أنا اقتربُ.. واقترب، ولن أكف عن هوايتي ومحاولاتي مهما بلغ عددها..لأنني لو كففت يا حلمي! قد أجنّ، أو أستسلم للموت نفسه وقد خطفك مني وأنتِ في عمر الصبا!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد المعين زيتون