من ذكريات الانتخابات ...!!

العدد: 
15169
التاريخ: 
الأحد, أيلول 9, 2018

كنّا في الصف الثامن ،عندما صدر قانون الإدارة المحلية عام 1972 ،الذي قضى بإحداث (وزارة الإدارة المحلية ).في تلك الأيام كانت وسائل الإعلام محدودة ، الإذاعة (البرنامج العام )وقناة تلفزيونية أرضية وهكذا فقد كانت الإذاعة وسيلتنا لمعرفة ما يجري ،وكان المذياع من قطع الأثاث التي لا يستغنى عنها ،لاسيما في الريف حيث لا كهرباء ولا تلفاز ولا من يحزنون .
وهكذا فنشرة الأخبار التي تبث في الساعة السابعة والربع صباحاً بعد موسيقا مميزة ،لابد من متابعتها وفي تلك الأيام امتلأت نشرات الأخبار والبرامج بأخبار (الإدارة المحلية )وانتخابات مجالس المحافظات والمدن وأهمية التجربة الديمقراطية الجديدة ،وهي الأولى من نوعها في الوطن العربي وكان مسؤولو المنظمات الشعبية والنقابات المهنية يشرحون أهمية الإدارة المحلية و يبسطون الشرح فيقولون (بدلاً من الذهاب إلى دمشق للمطالبة بالماء والكهرباء ...نذهب إلى مبنى المحافظة في حمص وتحل المشكلة ).ولعلّ هذا التبسيط في شرح قانون الإدارة المحلية كان مهماً بالنسبة للناس العاديين ليفهموا أهمية هذا القانون ...!!
وغير أنّ الإدارة المحلية كمفهوم فكري وإداري وخدمي وشعبي ديمقراطي أعمق بكثير من هذا الشرح المبسط .
وفي اجتماع عام لأهالي إحدى البلدات حضر أحد المعنيين بالشأن العام وراح يشرح عن الديمقراطية وعلاقتها بالإدارة المحلية ويشرح عن إحداث (المكتب التنفيذي )ويحث الناس على الترشح ,فترشح عدد كبير منهم ولعلي أذكر هذه الحادثة من باب الطرفة والذكريات بمناسبة الانتخابات المقبلة يوم السادس عشر من أيلول الجاري للإدارة المحلية فقد انسحب عدد من المرشحين في إحدى دوائر الريف ولم يبق إلا مرشحان ،فإذا انسحب أحدهما فاز الآخر بالتزكية ،وهذا يجنب الحكومة صرف مبلغ ما من أجل إجراء الانتخابات ،لاسيما أن المطلوب هو ممثل واحد في مجلس المحافظة للدائرة (كل عشرون ألف مواطن لهم ممثل) واعتقد مسؤولو المحافظة يومها ،أنّ الأمر سهل ،لاسيّما أنّ المرشحين المتنافسين هما أب وابنه وكلّف محافظ حمص يومها ،السيد  إسماعيل عكلة ،مدير الناحية بالاجتماع مع المرشحين ومحاولة إقناع أحدهما بالانسحاب للآخر .
غير أنّ الأمر كان من الصعوبة بمكان لأن الأب أصر على أنه أحق بالترشح من ولده ..بينما كانت حجة الابن أنه يقوى على الذهاب إلى المدينة والمراجعة بشأن طلبات البلدة ،بينما والده كهل ويصعب عليه ذلك .
وفوجئ مدير الناحية أنّ المرشح الأب ذو ثقافة وأنه يحفظ أشعار المتنبي وجزءاً كبيراً من القرآن الكريم ويحمل في جيبة صدره قلمين من نوع باركر أحدهما حبره  ناشف والآخر سائل وولده لم يكن أقل ثقافة من أبيه ...ولكنه متحمس أكثر.
ولما لم يصل مدير الناحية إلى نتيجة إيجابية أخبر السيد المحافظ بالأمر ...فكلفه المحافظ أن يبلغ سلامه للمرشحين وأنه يدعوهما إلى مكتبه لتناول فنجان قهوة ، سر المرشحان بهذا وذهبا معاً لزيارة المحافظ ...وفي أثناء تناول القهوة ...وبعده ..استغرق الأمر وقتاً طويلاً بذل فيه المحافظ جهداً حتى استطاع إقناع الابن بالانسحاب لأبيه ولكن ليس بغير مقابل ..والمقابل هو وعد أن يزور المحافظ البلدة ويتناول القهوة مع المرشح المنسحب ليكسب مهابة ووجاهة في البلدة ..
ولله في خلقه شؤون ....!!
والسادس عشر من أيلول موعدنا ...!!

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عيسى إسماعيل