كاتب البحر الأول

العدد: 
15169
التاريخ: 
الأحد, أيلول 9, 2018

ليس من باب المصادفة أو المبالغة أن يصف الأديب الراحل الدكتور سهيل إدريس  الأديب السوري حنا مينه بأنه كاتب البحر الأول في الأدب العربي بل في العالم ويراه متفوقاً في استلهام البحر وتصوير أنوائه وأثره في الإنسان على أدباء عالميين كفيكتور هيغو في – عمال البحر – وأرنست همنغواي في – العجوز والبحر أو الشيخ والبحر :
فعالم حنا مينه هو عالم البحر وأضاف كثيرون : إنه عالم الطبيعة عامة ، ويرى الناقد والروائي – نبيل سليمان - أن عالم حنا مينه في جوهره هو عالم الصراع ويتصل ذلك بالطبيعة والمجتمع والنفس ، وهذا لا يلغي حضور البحر القوي في عالمه ، ويؤكد الناقد والروائي نبيل سليمان حقيقة هامة ، وهي أن الشخصيات التي أطلقها حنا مينه ليست من النوع الذي نغادره أو يغادرنا بعد إغلاق الرواية بزمن قصير أو طويل ، إنها إضافة إنسانية إلى عالمنا ، فالطروسي بطل رواية الشراع والعاصفة ، وفارس بطل رواية : المصابيح الزرق ، والمرسنلي بطل – الياطر – وزنوبة بطلة – بقايا صور – أناس يعيشون معنا تربطنا بهم صلة ما مع أنهم جميعاً من جيل أكبر منا ، إنهم يفعلون فعلهم الإيجابي في حياتنا سواء أكانوا في البحر أم في الغابة.
وقد أثار إعجابي رأي نقدي وضعه الأديب واكيم استور في مقدمة رواية – الدقل – وهي الرواية الثانية في ثلاثية البحر : حكاية بحاّر ، الدقل . المرفأ البعيد ، وهذا الرأي يبرز علاقة حنا مينه بالبحر ويؤكد مقولة أنه كاتب البحر الأول ، ويقول : حنا مينه لم يقع على كنز عندما اختار البحر ميداناً لصراعه ، الكنز في داخله وفي مخزون التجارب ، منه ينبع البحر ومنه يولد البحارة ,البحر الحياة ميداناً اختاره حنا مينه لأنه الوجه الأصخب والأغنى يخرج إليه الناس ومنه يعودون ،إنهم يعودون دائماً بلا حدود ولا قيود ، يرتاده البحارة وغير البحارة ، وهو ميدان لكل الصراعات ويربط بين كل الناس ويفرّق بينهم أيضاً ، وتنتقل عبره الأفكار وتلتقي الشعوب .
وهكذا كان البحر عند حنا مينه ميداناً وشاهداً ، وكان البحارة أيضاً ، البحارة الذين يلبسون ثياباً أرجوانية وعلى سيكاراتهم تلمع نجوم حمر ينهضون من مطاوي الموج ويعودون على أشرعة بيضاء ويتعلقون بالغيوم ومن عيونهم ينتشر ضوء النهار وفي أفواههم أغاني القوة يصارعون النوء ولا يسمحون للعواصف أن تقهرهم ، فرسان معارك مظفرة لا يغرقون الشمس لا تغرق في البحر وخلف ياقاتهن شارات حمراء .
وأقتطف من كتاب حنا مينه – هواجس في التجربة الروائية – مقطعاً جميلاً يبين العلاقة الحميمية بين الأديب والبحر ، يقول :
بكلمة : احتياطي من عطر البحر موجود في مدينتي الساحلية اللاذقية ، وأنا مقتصد في الإنتاج والتسويق والاستهلاك ، أوزع ما أستخرجه من بئري العطرية على رواياتي وقصصي .... وأبقي شيئاً منه لحكاياتي الخاصة التي تحكى ولا تكتب  صحبي في اللاذقية لهم تفرد ، يا إلهي ! لماذا يكون للبحر دائماً تفرد ؟ هم هؤلاء الذين في مسبح أفاميا ، مصدر ثروتي الروائية، النمطية بعيدة عنهم ، وكذلك النموذجية والتقولب .
تقولون إن الذين على البحر ، ولهم مطلات على العالم  يكونون من ذوي الخيال المترف ، والمزاج الشفاف والشخصية الطريفة والذكاء الحاد والروح المغامرة والأريحية الكريمة وإنهم كالأزرق الذي يجاورون ، وادعون حد البراءة ، شرسون حد العاصفة ، حياتهم متنوعة ، خصبة فيها جديد وفيها قديم ولكنها في الحالتين ليست رتيبة ولا بليدة ، بل هي ملونة بألوان الفصول الأربعة ! أو لهذا السبب كل أشخاصي من الساحل ، وكل لوحاتي من المدن البحرية ، كل مشاهدي من الغابة التي تغمس كالحسناء ساقيها في الماء ، فلا تعرف أيهما أجمل : البحر أم الساقان !!
فتحيتي إلى فرسان البحر الطروسي في الشراع والعاصفة ، والمرسنلي في – الياطر – وسعيد حزّوم في – حكاية بحّار . وغيرهم كثير ، فهم باقون في أذهاننا ذكرى لا تمحى من أديب عربي سوري هو حنا مينه ، فالشكر كل الشكر له .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لافي طعمة