كلما دق الكوز بالجرة

العدد: 
15183
التاريخ: 
الأحد, أيلول 30, 2018

قبل هذه الحرب الجائرة على سورية ..وقبل هذه المؤامرة الكونية الفظيعة ...كان البعض يعيش في حالة ركود فكري .. بل وركود نفسي وجسدي واجتماعي ..الخ وهذا حال الشعب العربي بأكمله ..وأنا هنا لست بصدد تحليل جميع الحالات بل سأكتفي بتسليط الضوء على الحالة الثقافية .. وإجراء مقارنة بسيطة بين ما كانت عليه قبل الحرب ..وما آلت إليه بعدها..
فقد كانت طبقة المثقفين هي قشرة رقيقة .. بالكاد كانت ترى بالمجهر الالكتروني ! فقد سادت ثقافة الفيس بوك .. فكما باستطاعتنا أن نصدر صوتاً متى نشاء من ضرب الكوز بالجرة ...فبإمكان أي شخص أن يستل جهازه الخليوي ليطلع على آخر المنشورات على الفيس بوك هذه المنشورات يتسم معظمها واغلبها ..برائحة الحديد والصدأ .. وطعم اللهجة العامية!! وعبارات مثل مممممم...أو ههههههه....وما إلى ذلك من هرطقات والسؤال الذي يطرح نفسه : هل بإمكان هؤلاء الناس الكتابة باللغة العربية الفصحى ؟ أنا على ثقة أن أحدهم لا يملك من المخيلة الثقافية ما يجعله يكتب رسالة صغيرة إلى صديقه باللغة الفصحى .. وهذا ينم عن المستوى الثقافي لهذه الشريحة الطحلبية .. وإذا سألت احدهم من هو القائد الإسلامي الذي فتح الأندلس ؟ فسوف يجيبك على الفور : إنه خالد ابن الدين الأيوبي !! أليس هو ؟!
بلى ...إنه هو ... ولكن ليس بيت القصيد هنا ... فالحالة الثقافية تعاني من ركود مرعب حقاً من القاعدة الشعبية الواسعة ...إلى المؤسسات الثقافية الصغرى ...وحتى المؤسسات الكبرى.. فليس هناك تلك الحوافز المشجعة على الثقافة والكتابة .. وليس هناك جوائز قيمة تدعو الكتاب إلى الإبداع.. نضيف إلى ذلك مشاكل الحياة وسعي الإنسان إلى تلبية حاجات عائلته .. كل ذلك أدى إلى خلق جيل لايعرف ماتعنيه كلمة الثقافة أساساً ...لا .. بل قد يهزؤون من هذه الكلمة ( الثقافة – المثقفين) .. وذلك لجهلهم .. ما تعنيه هذه الكلمة .. فجل معرفتهم بالثقافة .. هي كلمة الفلسفة .. فيدعون المثقفين بعبارة ( المتفلسفون ) وفجأة ..يعلن العالم برمته الحرب على سورية .. فيقف الشعب السوري مدهوشاً مما يحدث .. ومما سيحدث !! ولم يتمكن في البداية حتى المثقفون من حل اللغز ..ولم يكن هناك من يستطيع الإجابة عن الأسئلة التالية : ماذا يحدث ؟
مجموعة من الأسئلة وقفنا أمامها مذهولين .. مما اضطرنا لاستدعاء مثقفين وسياسيين من خارج سورية لكي يشرحوا لنا ماذا يحدث !! نعم ...لقد امتلأت شاشاتنا بالمفكرين اللبنانيين الذين شرحوا لنا ماذا سيحدث ......وهنا كلما دق الكوز بالجرة ...ترى احدهم  يتنطع وينبري يشرح عن الأزمة والمؤامرة والحرب ويفند لنا عن جميع حيثيات الأزمة ..نعم لقد أصبحنا جميعنا نفهم بالسياسة .. والاقتصاد ... وعلم الاجتماع .. وسعر الدولار .... فتظن أحدهم أفلاطون زمانه بالثقافة ....
وانتصرت سورية .. وانتصر الشعب السوري بعد أن دفعنا أنهاراً من الدماء فماذا حدث بعد ذلك للثقافة والمثقفين ؟! في الحقيقة لم يتغير شيء .. فكلما دق الكوز بالجرة ... يخرج احدهم يدعي الثقافة ليكتب على الفيس بوك معلومات باتت من الماضي السحيق .. معلومات أكل عليها الدهر وشرب .. ظاناً نفسه انه قد جاء بالذئب من ذيله .. ليس هذا فحسب .. بل ويكتب باللهجة العامية الركيكة إذاً فكل ماحصل عليه المواطن غير المثقف سابقاً .. هي مجموعة معلومات تلقاها من مفكرين حقيقيين .. ثم راح هو يشرحها لنا .. على أساس انه مثقف !!
ومازالت مؤسساتنا الثقافية ضحلة على مستوى الحوافز والجوائز والتشجيع ولم نحصد إلا السراب .. وكما يقال بالعامية (تيتي.. تيتي)

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د.نصر مشعل