المهرولون

العدد: 
15187
التاريخ: 
الخميس, تشرين الأول 4, 2018

أطلب السماح من روح الشاعر نزار قباني الحاضر أبداً باستعارة هذا العنوان من قصيدته المنشورة في الثامن والعشرين من أيلول عام خمسة وتسعين – المهرولون – والتي أبدعها بعد اتفاقيات أوسلو ، التي فاجأت حتى الدكتور حيدر عبد الشافي كبير المفاوضين الفلسطينيين فقال مدهوشاً ومصدوماً : اتفاق سلام مع الكيان الصهيوني .. له يا أبا عمار - ياسر عرفات - !!
والمهرولون هم اللآهثون خلف السلام الصهيوني ، خلف السراب ، كيف لا والصهيوني عدو السلام ، والكيان الصهيوني لا يقوم إلا على العدوان ألم يكن الشاعر نزار قباني على حق عندما قال : جوّعوا أطفالنا خمسين عاماً ورموا في آخر الصوم  إلينا بصلة – ألم يحذر القائد المؤسس حافظ الأسد  من استفراد كل طرف عربي وحده ؟ وخصوصاً الاستفراد بالفلسطينيين باتفاق سلام وصفه بعض المهرولين بسلام الشجعان وهو سلام الجبناء ، سلام  البيع بالتقسيط  والصفقات والتجار والمستثمرين .
وماذا بقي من فلسطين بعد أوسلو ؟! إن الشاعر محمود درويش يقول في أول حوار أجري معه في غزة بعد اتفاقيات – أوسلو – « بأنه عاد ولم يعد ، ووصل ولم يصل وإن منفاه لم ينته بعد .. وأن على بلاغة اللغة أن تتواضع قليلاً أمام هذا البؤس »
ولذلك كان الشاعر نزار قباني مستشرفاً وكان يحمل في أعماقه – زرقاء اليمامة – عندما قال : - بعد هذا الغزل السري في أوسلو خرجنا عاقرين ....
وهبونا وطناً أصغر من حبة قمح .. وطناً نبلعه من غير ماء كحبوب الياسمين ، ألم يقل مناحيم بيغين أحد عتاة الصهوينة ومجرميها الكبار : إننا مستعدون لمفاوضة الفلسطينيين مئة عام دون أن نعطيهم شبر أرض ؟! وفي كل يوم مشاريع استيطانية تقضم القدس والضفة الغربية فلم يبق للشعب الفلسطيني من الضفة الغربية إلا أربعون بالمئة ، أما القدس فتؤكل بشراهة حيّاً بعد حي وشارعاً بعد شارع .. فكيف الآن وقد أعلنها التاجر الصهيوني الأكبر الأمريكي – دونالد ترامب – عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارة بلاده إليها ؟!
أليس غريباً أنه لا يزال من الفلسطينيين من يراهن على المفاوضات مع الصهاينة وعلى إمكانية إقامة سلام معهم ، وهم أعداء السلام في العالم ، وما زالوا يدرسون خرائط مفتوحة الحدود لدولتهم المزعومة و حدودهم توراتية من الفرات إلى النيل .
ولذلك فالسلام الذي يعرضه الصهاينة هو مصاصة من الكاوتشوك لا حليب فيها ، وزجاجة من النبيذ لا قعر لها – ورسالة حب مكتوبة بالحبر السري .
المستعمرات خناجر تنغرس في خواصر الفلسطينيين ،والأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال ،والمنفيون في منافيهم ،والخلايا السرطانية الصهيونية تحاول أن تتمدد في الجسد العربي كله ،وليس في الجسد الفلسطيني فحسب ، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن المقاومة مستمرة ومسيرات العودة كل جمعة تؤكد أن ضمير الشعب الفلسطيني ما زال حيّاً ، ولذلك أردد  مع نزار قباني :
ماذا تفيد الهرولة ؟ ماذا تفيد الهرولة ؟ عندما يبقى ضمير الشعب حيّاً كفتيل القنبلة ....لن تساوي كل توقيعات أوسلو .. خردله !!.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د.غسان لافي طعمة