بين الحداثة والتقعيد

العدد: 
15188
التاريخ: 
الأحد, تشرين الأول 7, 2018

اللغة العربية هي الحامل الأول والأساسي للهوية العربية بوصفها البوتقة التي تنصهر فيها عادات المجتمع وتقاليده وسماته ، وهي عامل مهم من عوامل الوحدة الجغرافية الممتدة من المحيط إلى الخليج ، كما أنها في مستوياتها كافة كائن حي ينمو ويتطور ويتفاعل مع مستجدات العصر والتقانة .....
ولطالما عني علماء اللغة من نحويين ولغويين وأئمة الصرف والبلاغة ابتداءً بأبي الأسود الدؤلي وحتى يومنا هذا ، عنيوا جميعاً بوضع القواعد النحوية والصرفية التي تنظم تصريف الكلام من حيث بناء الكلمة ووزنها الصرفي والمصادر والاشتقاقات إلخ.....، والقواعد النحوية التي تنظم تركيب الجملة العربية بحيث ترفع المرفوع وتنصب المنصوب وتجر المجرور كلّ في مكانه ...
فما المقصود بالتقعيد ؟:
التقعيد أي القواعد أي تنضيد الكلام وتوزيعه في : اسم وفعل وحرف
أما الاسم فهو محط أنظارنا ومجال اهتمامنا حيث ينشطر إلى جامد ومشتق ، وينشطر الجامد إلى ذات ومعنى وينشطر المشتق إلى سبعة أقسام معروفة هي المشتقات السبعة .
وأما الفعل فسوف نتناوله من وجهة صرفية بحتة أي من ناحية البنية والوزن كأن تقول أرسل على وزن أفعل ودحرج على وزن فعلل ، أما ما قولك الآن في وزن ( وتّس ) من نوع المراسلة الذي يطلق عليه اليوم (وتس آب ) ؟، وما هو الأصل الثلاثي مثلاً لكلمة ( غوغل ) ؟
أم أننا نعتبر هذه الكلمات كلمات معربة ؟!
ما هي الحداثة ؟:
الحداثة لغة : من حدث بمعنى الجدة والابتكار
الحداثة اصطلاحاً : هي فعل متكامل لوعي مجتمعي فهي مواكبة التطورات دون الابتعاد عن الهوية الأصلية ، يقول رينيه ديكارت ( ليس المهم أن تمتلك عقلاً جيداً المهم أن تستخدمه جيداً )
وقال أيضاً : (أنا أفكر إذن أنا موجود )
لذا اقتضى التنويه إلى أن الحداثة المقصودة في هذا المقام هي مستجدات الحياة والمصطلحات العلمية الطارئة على حياتنا بسبب تقدم التقانة بكافة نواحي الحياة .
ويحاول مجمع اللغة العربية أن يتصدى بين الفينة والأخرى لتلك المنطوقات الجديدة –إن أمكنت التسمية –لأن اللغة وثيقة الصلة باللسان  واللسان على حد قول العرب وثيق الصلة بالماء وهذا ما يفسر العلة الفيزيائية في اختلاف اللهجات وحدوث الإمالة في اللهجة الواحدة .. فمثلاً عندما انتشر هاتف جديد يدعى ( الموبايل ) سارع علماء اللغة إلى إيجاد البدائل العربية ( الهاتف النقال– السماوي – الجوال ) راجعين بذلك إلى تصريف اسم الآلة ومبالغة اسم الفاعل : فكلمة النقال والجوال على وزن الفعال – وهذه عودة إلى التقعيد ( القواعد) وكلمة السماوي أخذت من قاعدة النسبة لأن هذه الياء هي ياء النسبة ولكن تشيع بيننا اليوم وعلى مدار الساعة كلمات ومصطلحات نستخدمها عند الحديث في أي مجال دون أن نجد لها البدائل اللغوية العربية من أمثال ( فيس بوك –يوتيوب – أون لاين – لايك – بلوك ..) وغيرها الكثير مما لاعد له . ترى هل أصبحت هذه المفردات بلفظها المعجم من صلب حياتنا دخيلة على لغتنا وعلينا أن نقبلها كما هي دون التفكير بإعادة النظر في المستوى الشاقولي العامودي لتلك البدائل ؟!
مثال : مصطلح فيس بوك يعني وجه الكتاب وهو لايقصد به وجه ما لكتاب ما ،بل هو صفحة ( الكترونية )يدون فيها صاحبها ما يشاء من مكتوب أو مسموع أو مرئي
كلمة لايك : تعني الإعجاب
كلمة بلوك : تعني حظر
فلم يفتخر المواطن العربي اليوم بذكر هذه المفردات بلفظها المعجم ؟!
هل يعود ذلك إلى عجز في لغة الضاد لغة القرآن الكريم المعجز بلفظه والمتعبد بتلاوته أم أن ذلك يعود إلى قلة الوعي العربي وعدم وجود محافل دورية تعمل على تنشيط اللغة وتنبه من ويلات الفرد الثقافي اللغوي ؟
لقد استقبلت الأرض برمتها الديانات السماوية باللغات السامية وكان أشملها للبشرية الدين الإسلامي الذي انتشر في أصقاع العالم باللغة العربية ، وقدم العرب للعالم بفترة تخلف أوروبا أهم المنجزات والكشوفات العلمية وكان كل ذلك يكتب ويقال باللغة العربية
فهل أصبحت اليوم هذه اللغة العربية عاجزة عن الإتيان بالبدائل المناسبة لكل مايطرأ على حياتنا من تقدم بالعودة إلى قواعدها الصرفية والنحوية على المستوى النظمي الأفقي والمستوى الشاقولي مع الحفاظ على الهوية الأم ؟
إن من يعاود قراءة ( نظرية النظم للجرجانة ) و( أسرار البلاغة ) للزمخشري والكتاب ليسيباويه و( الخصائص ) لعثمان بن جني يكون على ثقة تامة من أن لغتنا العربية لا تقف مبتورة الأيدي أمام الحداثة شكلاً ومضموناً ، فهي بمقدورها أن تواكب الفيزياء الحديثة والكيمياء الحديثة والحساب الحديث والتكنولوجيا الحديثة وحتى الأدب الحديث شكلاً ومضموناً وروحاً ، ولكن ذلك يحتاج إلى عمل جماعي من خلال مجمع اللغة العربية وتنشيط الحث على استبدال المنطوقات الأعجمية بالمنطوقات العربية وذلك حفاظاً على هويتنا العربية وحماية لتراثنا من العبث أو التشويه .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
شعيب إبراهيم