قصة قصيرة... الجسر

العدد: 
15211
التاريخ: 
الأربعاء, تشرين الثاني 7, 2018

كثلاثة أشباح كانوا يسيرون وسط الظلام ، هم لم يمروا في هذا الطريق من قبل ، ولكن أقدامهم التي كانت تطبع وجه الصّخر قد تحولت منارات ترشدهم وتهديهم إلى حيث هم ذاهبون ، قال الشيخ : ما زال الطريق طويلاً لكننا سنضل ، قالت البنت التي أمسكها والدها بيدها خشية أن يفقدها في ظلام الليل : وكيف  لنا أن نقطعه مشياً على الأقدام في هذه الفلاة الموحشة يا أبي ؟
وقبل أن يجيبها والدها الشيخ قال الجندي القديم الذي يرافقهما في هذه الرحلة : نعم سنتابع مشياً ، وإذا ما خارت قوى أرجلنا فسنكمل المسير زحفاً على أيدينا ، قالها الجندي دون أن يعلم أن طريقهم مشتعل بالأهوال والمخاطر ، لكنه كان يعرف أن عليه أن يعود مهما كلفه الأمر من عناء ومشقة ، أليس عائداً إلى وطن هجّر منه تحت جنح الظلام ؟ إذا فلابد أن يعود تحت جنح الظلام وقبل طلوع الفجر .
ربما كانوا يعلمون أن قوافل العائدين سلكت قبلهم هذا الطريق باتجاه الوطن فلسطين ، لكنهم ربما كانوا يجهلون إن كانت تلك القوافل قد وصلت أو إنها ضلت في متاهات الطريق ..... هم يعلمون أن بوابة العبور إلى فلسطين محكومة بجسر ضيّق يتقنطر فوق نهر عميق وقد تكون تلك القوافل قد عبرت هذا الجسر أو  أن  الجسر تزلزل بها وسقطت في مياه النهر . والحقيقة الجسر لم يتزلزل لكنه كان موصوداً من جنود صهاينة امتهنوا لعبة القتل ، وكلما وصل عائدا إلى هذه النقطة قتلوه وألقوه في مياه النهر ، وهذا ما حصل لتلك القوافل العائدة سقطت في النهر ثم لفظها أشلاءً مهترئة . وصل العائدون الثلاثة بعد طول عناء إلى أول الجسر وكان الحراس الصهاينة نائمين فعبروه مسرعين ، وأصبحوا الآن داخل حدود الوطن فلسطين ، وبالتأكيد يعرفون الآن أين يذهبون ، لأن مفتاح البيت ما زال في جيب الشيخ يخبّئه من وقت هجر منه منذ عقود من السنين ، لكن البيت أصبح ركاماً ، وليكن ، فهو ما زال قوياً وساعداه قويتان سيبنيه من جديد.
البنت تتساءل يائسة : وكيف يا أبي ستبنيه ؟ يقول لها : بيدي هاتين .
أما الجندي فلم ينبث ببنت شفة ، وربما لم تعد يداه تقويان على البناء .
وإذا كان قد عاد من جديد فلا بد أنه عائد ليموت في أرض الوطن بدلاً من مخيمات اللجوء التي محت كل تاريخه النضالي وأصبح بلا ماضٍ ولا حاضر . وفجأة يستفيق الحراس ويشعرون بوجود العائدين الثلاثة ، ومن دون سؤال ولا جواب ، أضاءت بنادقهم بنارها ظلام الليل ، حرّاس صهاينة متوحشون لفظتهم الأرض وجاؤوا يمارسون هواية القتل في أرض لا يملكونها ، أول طلقة استقرت في قلب الجندي القديم منهية مسيرة نضاله القديم ، فارتعد الشيخ خوفاً على ابنته واستجمع قواه وابتلع ريقه وهتف بالجنود : أيها الأعداء هذه البنت حبيبتي لا تقتلوها اقتلوني بدلاً عنها إن شئتم ، وفعلاً لم يقتلوه فقط بل ألقوا به في مياه النهر لينفردوا بالتي أصبحت يتيمة ويسلبوها كل ما تملك من طهر ونقاء وجمال . وعاد الصمت يخيّم من جديد ومسيرة القوافل يبتلعها النهر من جديد ومصيدة الموت مستمرة ، ومواكب الدماء تصبغ النهر لكن الحلم بقي يكبر وحب الوطن يتعاظم ، فالفلسطينيون ملّوا حياة النزوح واللجوء وسيستمرون بالمقاومة من أجل العودة ، فحلاوة طعم حبهم للوطن أقوى بكثير من مرارة اللجوء والموت ولا تزال رحلة ثلاثة أشباح يتلمسون طريق عودتهم وسط الظلام يقول الشيخ : لا يزال الطريق طويلاً ، وتسأل الفتاة كيف سنكمل ؟
ويرد الجندي : مشياً على الأقدام أو زحفاً على الأيدي .
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
يونس محمد السليمان