تحية الصباح ..بوح وحنين

العدد: 
15212
التاريخ: 
الخميس, تشرين الثاني 8, 2018

حين أتكئ على جدار الذاكرة تنتابني إغفاءة حزينة .. وتغرورق في عيني دموع حب وشوق وحنين لأيام مضت وأشعر أن شيئاً ما يشدني نحو أيام زمن قديم مضى عشناه بكل ما في قلوبنا من أحاسيس ومشاعر .. أيام كانت قلوبنا تتقد بحمرة الشوق وبوح الحنين فتخفق فرحاً .. أيام كنّا كعصافير صغيرة تزقزق .. وترفرف  بأجنحتها بسعادة وهناءة وسرور . ها أنا أسير في شوارعي القديمة وفي أماكن الذكرى الجميلة فتشتعل في قلبي نار الشوق .. وأشم عبق الماضي الذي لا ينسى .. تنعشني رائحته الطيبة الزكية وتسعدني دروبه الغبارية فأحس أن ذلك الزمن والماضي القديم الثمين الجميل لا يزال يسري في شرايين دمائي .. أتذكر ينابيع الماء التي جفّت .. الصافية الرقراقة العذبة وما أغلاها! وجرار الصبايا وهي تملأ بالماء .. وهدير الطاحون ومجالس ( الضيعة ) وحكاياها .. ولمات الصبايا وأفراحهن .. والأشجار وخيراتها وظلالها وصياح الديكة.. والشروق الجميل الساحر بأبهى صباح أخضر عاطر .. والبط والأوز والغنم والماعز .. والبقر .. والميجانا والمواويل والعتابا والأعراس ... أتذكر مفردات ذلك الزمن الهانئ الجميل وأشعر أن في قلبي حنيناً قديماً يشدني إلى بكائه وأحس أن دموعاً رقراقة تغرورق بها عيناي .. دموع الوجد والاشتياق لماضٍ رحل .. ولحياة حلوة بلا أمل للرجوع ... وحدها هي الدموع التي تؤنسني .. وحده الشوق صديقي يذكرني بأيام زمن مضى نعيشه اليوم حسرات ودموعاً .. وأشواقاً .. وذكريات وأجد نفسي مطروحاً بين كوم رماد الذكريات .. الذكريات لا أكثر .
أنفخ في رماد تلك الذكريات علني أجد بعض جمرات باقية تتوقد .. تنير لي بعضاً من ضوء أمل خافت أعيشه وحدها ستظل عكازي في مسيرة أعوام عمري وها نحن نمضي أسرى ماضٍ لا يمكن تجاهله .. ونسيانه أبداً ذلك الذي يهمس بآذاننا مثقلاً بآهات البوح والشوق . لن يغنينا أحد عن الحنين إليك أيها الماضي الجميل إلى لحظات فرح العمر .. ومواقد دفء ذكرياتنا المزورعة على مفارق طرق أعمارنا باقية شاهدة على ماضٍ عشناه بكل حب .. خلّفناه .. وبقايا ذكرى لن يموت الشوق لها أبداً .
سلام عليك زمن الذكرى .. على دوحتك الفاتنة الغنّاء .. سلام عليك يا من زرعنا فيك أغلى بذور آمالنا وأحلامنا . سلام عليك يا دفء القلب ونبض الحب .
سلام عليك من بقايا لهاث العمر ..! ارجع إلينا .. أنقذنا من تعب السرعة والمادة .. ومتناقضات الحياة .. وملوثات البيئة .. أعدنا إلى حقيقتنا الإنسانية بلا إرهاب .. وبلا حروب .. واحملنا على أجنحة شفافة إلى البساطة والأمن والسلام والمحبة .. إلى ماضينا الذي يغفو في أعماقنا ولن ننساه أبداً .. فهو الغائب الحاضر وما أحلى الرجوع إليه .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
برهان الشليل