في ظلّ شجرة الحياة 2

العدد: 
15221
التاريخ: 
الأحد, تشرين الثاني 25, 2018

لكم تمنيّتُ على الله ألاّ أحضر موتَ، أو دفن أحدٍ من أهلي وأصدقائي، أحلم أن أكون مسافراً، فأعود من سفري، فأجدهم قد دفنوا من مات،
يقولون إن من يتعايش مع الجثث، لا يترك الموتُ لديه ذلك الجزَع، أخي (حسام ) يحقّق رغبة نفسية هامة، حين يدخل مع من يغسلون الميت، فيساعدهم، ويصبّ الماء، ويجهّز الجثّة، المدهش أنه ذو حساسية فنية عالية، يتذوّق الشعر، والموسيقى، والغناء، والجمال، وله ولع، إضافة إلى ذلك، بتغسيل الموتى،!!
مرة واحدة حتى الآن تحقّقت تلك الأمنية.
ابني البكر، ( معن )، كان يدرجُ كفرخ جميل عذب، يملأ البيت لعباً، وصراخاً، واحتجاجاً، غبتُ عن البيت يومين، وعدت فوجدتُه يعرج، في اليوم الثالث أصبح الوقوف والمشي صعباً عليه. في حلب أنبأني الطبيب بأن ذلك بداية شلل أطفال. لم أكن قد سمعت شيئاً عن تلقيح الأطفال ضدّ هذا المرض. كان ذلك عام 1958، أو 1959، لست أذكر، أخذَتْهُ أمي إلى (حمص) لتبعده عن عيني، لم أعد أستطيع النّوم، أتصوّر حياته كمُقعد، وكيف سأشتري له كرسيّاً يجلس فيه، ويدفعه بيديه،
عيناه نهرا عسل، ابتسامتُه أقحوانُ بريّة لم تَهتد إليها الطيور،..
 كان يحب الغناء والجمال، كلّ من في البيت كان يكرّس نفسه لخدمته، حين تقوم أخته للّعب، ويعلّق عينيه بحركة نهوضها، يتصدّع شيء ما، هنا في العمق، تنهار حجارة، ويتقصّف خشب عتيق، وتنهار غرفة مهجورة في زاوية القلب، لم يكن يفارقني حتى حين (أشرب) ، أو أغادر البيت،...
دعيتُ لِخدمة احتياطية في الجيش، وعدتُ منها، فوجدتُهم قد دفنوه، لم أتعرّف إلى قبره إلاّ بعد خمس عشرة سنة، فقد توفيَ قريب شاب لي، وحين ذهبنا للمقبرة جرّتني أمي من يدي، وأشارتْ إلى قبر يرتفع عن الأرض حوالي عشرين سم، مطليّ بالإسمنت، وقد حُفِرَ في الإسمنت وهو طريّ “ معن عبد الكريم “،.. . دفعةً واحدة أجهشت بمرارةِ كل ما كنت قد اختزنتُه من قبل،
صوره منذ وفاته عند شقيقتي، شاهدتُها مرة واحدة، أخذت الصورة، نظرتُ إليها بتعرّف، فابتسمَ لي، أردتُ أن أعيدها بسرعة، فاتّسعتْ ابتسامتُه وقال لي:
“ بابا،لماذا أنت مستعجل،دعني أراك مدة أطول “،..
ومنذ ذلك اليوم قلت: “ إن جعلني أحد أشاهد هذه الصورة مرة ثانية فلا تلوموا إلاّ أنفسكم “،
مرة واحدة حتى الآن.. تحقّقتْ تلك الأمنية،...
*************
لبعض الناس جَلَد على الحزن، لا يساويه إلا الاحتراق العلنيّ،..
 خالي فقَدَ شابّاً لم يبلغ الثلاثين، درس في ألمانيا الشرقيّة ، وعاد ،.. كان النّدب فاجعاً، فتَك به سرطان المعدة، كان خالي، والده، يلوم الناس على العويل والصراخ، ويدعو الناس للتسليم لأمر الله، موقفان كانا أكبر من كل ذلك الحزن العلنيّ الصاخب. حين دخل أخوه، خالي الأصغر، والتقت عيناهما، ارتجفتْ شفة الأب المفجوع السفليّة، وَدافع غصةً، شاهدتُ دخانها بأمّ عينيّ هاتين،..
 الموقف الثاني، بعد انقضاء أسبوع على التعزية قال لزوجه:
 “ احتفظي لي بهذا الجِلد “، وكان جلدَ خروف ، سأجلس عليه ما حييت، لأنّ ( عبدو ) كان يجلس عليه، وليذكّرني به إذا داهمني النسيان،
*************
كثيراً ما أتمنّى أن يكون الموت على غير هذه الشاكلة، كأن يتبخّر الإنسان مثلاً، يبحثون عنه فلا يجدونه، بل يترك علامة، تدلّ على أنه مات، فلا تكون الجثّة، ولا تكون الطقوس،
سمعت أنهم في أوربا يدفعون بالجثّة لسيارة الدفن، ولا يخرج أحد وراءه إلا القليل، شيء معقول إلى حد ما، لأنه مريح لواحد مثلي، أعصابه من لهَب ونِبال،
إحدى جاراتنا شاهدتْ جنازة ضخمة، لصديق قتلهُ الإخوان المسلمون ، في سوريّة ، فأدهشها عدد السيارات، وأكاليل الورد، فقالت ببلادة تناسب غلاظة جسدها المحشو “ بالكبّة، والهَبْر والدّهون  :
“نيّالو على هالموتة” (هنيئاً له على هذه الميتة “) !!
*************
ـ “ هل ثمة موت هنيء“ ؟، قلت هذا في مجلس فيه بعض رجال الدّين، قال شيخ ضمّ صدره على تجارب ممتازة:
“ نعم الموت الهنيء موجود “،
قلت: “ ما هو “ ؟
قال: “ أن تموت ووطنك آمن، أن تموت في عزة، أن تموت دفاعاً عنه
. بدا الموت الذي يخرج من استمرارية دفق الحياة المتحققة أمراً دون ما هو عادي.( )
                               *******
* للذاكرة فصول إقبال وإدبار من خلال خضوعها لحركة النفس حيث يلبس الحدث أثواب تلاوين تلك الحركة، فإذا كانت رخاء تساقط الندى، وهطل الزخ، وازداد العشب ليونة وخضرة، وطيَّرَ فراشاته في رحاب دمك المسافر غير الأزقة الضيقة. ( هي ضيقة لا لأن ما هو ضيق شيء جميل، وعذب، بل لأن شوارع المدن القديمة في وطنه ضيقة، ولجسده ميل نحو أن يرسم خريطة البلاد بنبضه الساخن ).

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الكريم النّاعم