أنا والمرآة

العدد: 
15226
التاريخ: 
الأحد, كانون الأول 2, 2018

لونُ عينيّ بني ..وإن لثمتهما الشمس أخضر كعشبٍ مبتل...
بشرتي البيضاء تساير الأشعةَ على امتداد اليوم..وضحكتي لها بحةُ أنين نايٍ متوحدة مع الألم...
سوف يفارقني الألم بعد مدة..فقد تمكٌن مني مع بدء مرحلة الشباب....
صورتي التي استعرضتُ وصفها منذ قليل ، هي مرآتي منذ المرة الأولى التي نزفتُ فيها...فارقتُ المرآة منذ ذلك الحين كي لا أحصي الأيام..ولا تتعبني الذكريات...
كنتُ أصبغ شفاهي باللون الأحمر كل صباح... وأواظب على العناية بنظافة جلدي وقلبي معاً ...
علمتُ أن رحلة فراق المرآة طويلة...وقد لا تعود..أو ..لا أعود..
في مسكني البسيط..أصيص ورد  ، وعلى شرفتي ياسمينة عليّ أن أسقيَها كل صباح....
ومع انبعاث الفجر يرتجف الدعاء لأبقى أنا سيدة الحب لمن هم حولي وإن كنتُ لا أعرفهم...
هذا الحب الذي شتتني كلما قرأتُ عنه...
فالمشاعر المكبوتة داخل العاشقين ، والتي يتسارقونها عند اللقاء تطلعني على مالا يشبهني ولا أعلمه....
عنترة وعبلة ، قيس وليلى ، شهرزاد وشهريار، أحدب نوتردام وأميرته أزمبرالدا ، ليلى والذئب....
لاتهزؤوا بي ...فليلى فتاة جميلة في النهاية والذئب رمز فقط...هكذا أفكر...
غصتُ في القصص والحكايات لأنسى الألم الذي يراودني فيمزق جسدي ، ويطهّر روحي....
نافذة الصباح قبلتي للعالم..وكم كانت قبلة ضيقة وبخيلة في الكثير من الأوقات....
قد تسألون عن وضعي الاجتماعي ...نعم أنا متزوجة..كنتُ متزوجة...عندما فارقني الزوج...تمنيتُ له السعادة....بكل بساطة...
النافذة غدت مملة ، يعتريني الضجر من أشعة الشمس أحيانا فأغلق نافذتي لأيام عديدة...
يوم فتحتُها مشتاقة لأشعة الكون ، فوجئتُ بوجه شاب يقف على نافذة الجيران المقابلة لشرفتي...
ابتسم لي ..رفع يده وحياني فأحيا بي ما لم أدرك معناه....
_ على هذه النافذة أن تبقَ مفتوحة..قلتُ في نفسي...
صار الدعاء مصلحة...والنافذة وسيلة...والصباح غاية ...أرتجيها كما ترتجي ياسمينتي ضوء الشمس...
_ ترى !! ماالذي جرى لي ؟؟؟
توقف الألم  بفعل الدواء ودون أن أكترث له فقد اعتدت على مرافقته لي...ولكنه توقف...
ابتسامة ذلك الشاب القصير القامة أحيت ذكرى المرآة في نفسي....ولكنني أخافها....أخافها جداً ...
فالزمن توقف عندها ..وبقيت الذكرى....
صرت أصرّ على النهوض...فالصباح صار حياً الآن ...
بت أحب الخروج من المنزل ، لعله يراني فيلحق بي ونلتقي بحجة  المصادفة...
 المصادفة باتت أمامي الآن ، فهاهو يجلس على مقعد في حديقة الحي ...ويشرد بالمارة...
اقتربت منه...حييتُهُ ...فنظر إلي وابتسم بطيبة...
_ أهلاً ...جدتي ..كيف حالك؟؟؟
لم أنبس ببنت شفة ...فقط ابتسمت ، وربتُ على كتفه...وعدت ....
عدت مسرعة ...مسرعة...حطام قلبي يرتطم بركبتي فيكاد يشلني ...
هرعتُ إلى المرآة ، واجهتُها ...كانت تسكنها امرأة كالشبح...خالية من الألوان ...غريبة عني ...باردة كثلج الشتاء...قبّلتُها ...واعتذرتُ منها....
_ لا ...لا تبكي ...فدموع الفراق مرة ...ولكنكِ منذ اليوم ..
التقيتِ بحقيقتكِ ....وهذا يكفي ....

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نداء يوسف حسين