فكرة .. إرادة الحياة لا تقهر

العدد: 
15226
التاريخ: 
الأحد, كانون الأول 2, 2018

 من جديد كانت الوجهة في الأسبوع الماضي حمص القديمة وبالتحديد بستان الديوان حيث تابعنا جانبا ً من فعاليات الأيام الثقافية التي أقامتها مطرانية الروم الأرثوذكس على مدى خمسة أيام تضمنت عدة أنشطة ثقافية وفنية وطبية .
وكالعادة كان الطريق إلى بستان الديوان مليئا ً بالمشاهد التي كانت تحكيها حجارة حمص القديمة عما جرى خلال سنوات الحرب الماضية  حيث مظاهر الحياة تبدو جلية للعيان،وعلى الرغم  من أن الوقت  كان معتما ً بعض الشيء إلا أن الطريق  الذي أوصلني إلى بستان الديوان لم يكن موحشا ً بل كان نبض الحياة يتواتر في كل الأزقة والشوارع والحارات نبض جعل الطمأنينة تنمو مع أول خطوة إلى حمص القديمة والتي بدأت  من طريق دمشق إلى قلعة حمص الصامدة ومن ثم الانعطافة يسارا ً باتجاه عمق التاريخ الحمصي الذي كانت ترويه حجارة حمص القديمة البازلتية والموشاة بالسواد .... لم تكن الرحلة طويلة  حيث السير  في تلك الشوارع يبدو كمن يسير مستعرضا ً في مخيلته تاريخ حمص ونضالها ضد الاستعمار الفرنسي والعثماني ومقارعة أهالي المدينة القديمة لذلك  الاحتلال في فترات سابقة  من التاريخ وصولا ً إلى المرحلة الراهنة  حيث طردت حمص القديمة العصابات الإرهابية التي حاولت أن تغير بوصلة الحياة وتعيدها إلى الوراء سنوات وسنوات معلنة في النهاية انتصار إرادة الحياة وإرادة الشعب السوري لتعود حمص المدينة القديمة والجديدة  بكل أحيائها خالية من الإرهاب والإرهابيين .
 في مطرانية الروم الأرثوذكس كان اللقاء  حيث افتتحت الفعاليات بحفل فني في مكان تراثي جميل أعاد  عبق الحياة والتراث العربي الأصيل ولم ينس المطران جاو جيوس أبو زخم أن يعلن في كلمته الافتتاحية أنه أراد  من خلال إقامة الأيام الثقافية إيصال رسالة مفادها أن  سورية تنتعش مجددا ً وتعود إليها الحياة مشيرا ً إلى أن ثقافتنا ضاربة في التاريخ ونموذج لكل أحياء بلدنا الغالي سورية ثم  قدمت فرقة وتر للموسيقى الشرقية باقة من الفقرات الفنية التراثية بقيادة الفنان زرياب الهاشمي وقد تميز  الحفل بالأداء المتقن من قبل الفرقتين الموسيقية والغنائية التي أجادت وجعلت الجمهور يصفق إعجابا ً بما قدم من فقرات فنية نهلت مادتها من التراث الغنائي العربي الأصيل وقد تتالت عبر الأيام الباقية من فعاليات الأيام الثقافية مجموعة من الأنشطة ومنها محاضرة  لكبير المسرحيين في حمص الكاتب والمخرج  المسرحي الأستاذ  فرحان بلبل الذي قدم محاضرة عن موضوع هام التقطه خلال مسيرته ومتابعته للنشاط المسرحي في سورية والوطن العربي وهو حضور العرض المسرحي وهو بذلك يبتعد عن القضايا المسرحية التخصصية والأكاديمية  مستعرضا ً وموصفا ً ذلك الحضور قديما ً وحديثا ً .
 كما شملت الأيام الثقافية على أمسية شعرية قصصية شارك فيها كل من الشعراء والقاصون سلوى زكزك – حنا طعمة – وداد سلوم – أسد الخضر – د . لين غرير إضافة إلى محاضرة للدكتور معتز الأتاسي عن منظمة الهلال العربي السورية ومحاضرة للدكتور ياسين زكية .
 إن مجمل الأنشطة والفعاليات التي أقيمت الأسبوع الماضي في حمص القديمة ،والتي شهدت حضورا ً كبيرا ً غصت به القاعة الأثرية في مطرانية الروم الأرثوذكس تضع أمام الجهات المعنية عن الثقافة والآداب والفنون مجموعة من التساؤلات الهامة ومن أهمها لماذا  لا تقوم الجهات والهيئات الثقافية والفنية بتنظيم المهرجانات الغنائية والمسرحية والسينمائية في حمص القديمة ؟؟
 لماذا لاتكون هناك لجنة ثقافية تقوم بهذا الدور وتضع البرامج السنوية لإقامة الكثير من البرامج والمهرجانات التي تعود  بنا إلى عمق التاريخ ..؟؟
 لماذا لا تستثمر تلك الأماكن خير استثمار بمثل هذه الأنشطة والفعاليات والمهرجانات ؟؟ .
أعتقد أن لدينا في حمص ثمة ضعف في هذا  الجانب فكل الدول تقوم باستثمار الأماكن الأثرية بأنشطة ثقافية وفنية منوعة للاحتفاء بتلك الأمكنة وأهميتها الفنية و التراثية الموغلة بالتاريخ .
حمص القديمة عادت إليها حركة الاستثمار في المطاعم والمقاهي وهو مؤشر جيد وهام ، ولكن الأهم أن يلتفت المسؤولون في محافظة حمص للبحث  بشكل جدي عن أنشطة هامة ودورية تقام في الأماكن الأثرية  في حمص القديمة والعمل على استقدام فرق فنية وغنائية لتقدم فقراتها في الهواء الطلق ،وهذا بالطبع يمكن أن يقام في فصل الربيع أو الصيف ..  
إننا بحاجة لتشكيل لجان مهمتها البحث عن الأماكن الأثرية اللائقة لإقامة هذه الأنشطة إضافة إلى عرض أفلام سينمائية أسبوعية .
 ثمة الكثير من النقاط التي يمكن  الإشارة  إليها في تنشيط الحياة الثقافية والسياحية والأثرية في حمص القديمة وهذا لا يتطلب كثيرا ً من العناء .. بل يتطلب  أن نبحث جديا ً عن السبل التي تعيد النبض والإحساس بالحياة بعد أن عاد الأهالي الذين أعلنوا الانتصار على القوى الظلامية وانتصار إرادة الحياة التي لا تقهر .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد الحكيم مرزوق