في زمن أصبحت فيه الكلمة والصورة سلاحاً يُشهر في معارك الوعي والوجود، تتعاظم مسؤولية الوسائل الإعلامية في أن تكون جسراً للحقيقة، وحارساً للنسيج المجتمعي، لا أداةً لتفكيكه.
فالإعلام المهني هو الذي ينقل الواقع بحيادية، ويحترم عقل المتلقي، ويساهم في بناء المجتمعات لا هدمها، لكن بعض المنصات الإعلامية المرموقة، ولأسباب قد تكون سياسية أونتيجة خطأ مهني، تخلط الأوراق، فتحول الخبر من نقل للحدث إلى بوق للفتنة.
تقوم مهنة الصحافة على ركائز أساسية أبرزها الدقة، والموضوعية، والحياد، والتأكد من المعلومات، ونقل الحقائق كاملة دون انتقاء يخدم رواية واحدة، والهدف هو إعلام الناس ليتخذوا قراراتهم بناءً على فهم صحيح للواقع، وليس تضليلهم أو استثارة عواطفهم لخلق انقسامات طائفية أو عرقية، وعندما تتهاوى هذه المعايير، تتحول التقارير الإخبارية من مواد إعلامية إلى أدوات خطيرة لتأجيج الصراعات.
قناة BBC البريطانية، ذات التاريخ الطويل، وقعت في أخطاء تتعارض مع أبسط قواعد المهنية، والمثال الصارخ هو تقريرها بعنوان “قتلوا لأنهم علويين”: الخوف بين أقليات سوريا بعد سقوط النظام” في هذا التقرير، تستخدم المحطة شهادة أم ثكلى لفقدان أبنائها لبناء عنوان رئيسي مثير ومضلل،والخطأ المهني هنا متعدد أولاً الانتقائية واختطاف الشهادة: الأم في شهادتها لم تتهم أي جهة رسمية، وكان حديثها تعبيراً عن حزنها الشخصي، لكن كاتبة التقرير انتقت جزءاً من هذه الشهادة وعممته ليصبح عنواناً يحمل نفسا طائفيا واضحا، متجاهلة السياق الأوسع وأي أدلة أخرى.
ثاني الأخطاء هو تعميم الحالات الفردية، وتحويل حادثة فردية مأساوية، دون تحقيق مستقل أو أدلة موثقة، إلى ظاهرة عامة يخلق وهماً خطيراً ويغذي مشاعر الخوف والكراهية بين مكونات المجتمع الواحد.
و ثالث الأخطاء تعزيز السردية الطائفية، في وقت تسعى فيه سوريا، بعد تحريرها من نظام الأسد، إلى تجاوز مرحلة الصراع وبناء دولة المواطنة، تأتي مثل هذه التقارير لتركّز على الهويات الفرعية (الطائفية) على حساب الهوية الوطنية الجامعة، مما يعيد إنتاج الصراع بدلاً من المساهمة في حله.
هذا النمط من التغطية لا يعدو كونه تأجيجاً للنزاع تحت غطاء “نقل الأخبار”، وقد أثبتت الدراسات أن الإعلام يلعب دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وترسيخ الصور النمطية، فعندما تكرر وسيلة إعلامية مرموقة مثل BBC روايات طائفية، فإنها لا تنقل الخوف بل تخلقه، ولا توثق للانقسام بل تعمقه، هذا يتعارض حتى مع رأي الجمهور البريطاني نفسه الذي يطالب في غالبيته بمواقف أكثر توازناً، خاصة فيما يتعلق بقضايا المنطقة.
من المهم التذكير بأن الحكومة السورية،بعد التحرير، تعمل جاهدة على ترسيخ السلم الأهلي والعيش المشترك بين جميع المكونات السورية، بهدف الانتقال من منطق الولاءات الضيقة إلى فضاء المواطنة المتساوية، حيث تكون الحقوق والواجبات مكفولة للجميع تحت مظلة القانون والدولة.
بناء سوريا الجديدة يقوم على أسس العدالة والمساواة، وهو مشروع وطني يتطلب دعم الجميع، وليس تخوين البعض أو استهدافه.
ما حدث في تقرير البي بي سي عن سوريا ليس خطأ عابراً، بل هو نموذج لخلل منهجي يستدعي المساءلة، واستقالة مديرها ورئيس تحريرها سابقاً بسبب أخطاء أخرى هي دليل على وجود مشكلة حقيقية.
على الإعلام العالمي أن يتحرى أعلى درجات المهنية والمسؤولية، خاصة عند التغطية في مجتمعات تعاني من الصراع، الكلمة مسؤولية، والعدسة أمانة، وحين تتحول هذه الأمانة إلى أداة للتمييز والتفريق، فإنها لا تخون المهنة فحسب، بل تخون الإنسان نفسه وتقف في الجانب الخاطئ من التاريخ.