عاش السوريون خلال سنوات الثورة ظروفاً قاسية نتيجة القمع الذي واجه به النظام البائد الاحتجاجات منذ بدايتها، وما تبع ذلك من قصف وحصار واعتقالات ونزوح طال آلاف العائلات، وترك آثاراً عميقة في حياة السكان، ولا سيما في مدينة حمص التي كانت من أكثر المناطق تضرراً خلال تلك السنوات. وبعد التحرير، ما زال الأهالي يستعيدون تفاصيل تلك المرحلة بوصفها من أصعب الفترات التي مرّت عليهم بسبب العنف والدمار الذي رافقها.
«العروبة» زارت عدداً من الأحياء المتضررة في مدينة حمص، والتقت مع سكانها الذين رووا شهاداتهم عن سنوات عاشوها تحت القصف والحصار والخوف، قبل أن تنتهي تلك المرحلة مع التحرير.
من المظاهرات إلى المواجهة
يقول أحمد مهباني من حي جورة الشياح إن المظاهرات في بداية الثورة كانت سلمية، وخرج فيها الأهالي للمطالبة بالحرية ورفع الظلم، لكن تعامل قوات النظام البائد مع المتظاهرين أدى إلى تصاعد الأحداث وتحول الأحياء إلى مناطق مواجهات.
ويضيف أن المتظاهرين تعرضوا لإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص، ومع فرض الحصار على الأحياء اضطر كثير من السكان إلى النزوح نحو ريف حمص الشمالي، حيث اشتدت المعارك في السنوات اللاحقة، ما أجبر الأهالي على الاحتماء في الأقبية والأنفاق لفترات طويلة.
ويتابع أن تلك السنوات شهدت خسائر كبيرة في الأرواح والمنازل، وأن انتهاءها مع التحرير أعاد شعوراً بالارتياح بعد فترة طويلة من الخوف وعدم الاستقرار.
ذكريات الخوف والتهجير
تقول منى حاج عمر من حي كرم شمشم إن الحياة خلال تلك الفترة كانت شديدة القسوة، حيث فُرض حظر التجوال بشكل متكرر، وكانت أصوات الرصاص والقذائف لا تتوقف نتيجة العمليات العسكرية التي شهدتها المدينة، ما اضطر كثيراً من العائلات إلى البقاء في حالة استعداد دائم لمغادرة منازلها.
وتضيف أن الحواجز العسكرية كانت منتشرة في معظم الطرق، وكانت أخبار الاعتقالات تصل بشكل يومي، الأمر الذي دفع عائلتها إلى مغادرة المنزل والتوجه إلى مراكز إيواء، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى دمشق بعد اشتداد القصف.
وتتابع أنها في آب عام 2013 فقدت زوجها بعد اعتقاله على أحد الحواجز التابعة لقوات النظام البائد، حيث تلقت لاحقاً خبر وفاته دون تسليم جثمانه، مشيرة إلى أن تلك المرحلة كانت من أصعب ما مرت به، خاصة مع مسؤولية تربية طفلين في ظروف قاسية فرضتها الأحداث.
رحلة نزوح ومعاناة
من جهتها تقول آمنة العلي من حي كرم شمشم إن عائلتها بقيت في الحي حتى اللحظات الأخيرة، قبل أن يجبرها القصف والحصار على التنقل بين عدة أحياء في حمص، ثم الانتقال إلى دمشق والإقامة في أحد المخيمات.
وتوضح أن المخيم تعرّض أيضاً للحصار، ما اضطرهم إلى العودة مجدداً إلى حمص والاستقرار في حي الوعر، حيث عاشوا فترة حصار طويلة تخللها قصف متكرر، مشيرة إلى أن المنزل الذي كانوا يقيمون فيه تعرض للقصف أكثر من مرة.
وتضيف أنها اعتُقلت في كانون الثاني عام 2016 على أحد الحواجز التابعة للنظام المخلوع، وبقيت في السجن نحو سنتين ونصف، واصفة تلك الفترة بأنها من أصعب مراحل حياتها بسبب البعد عن أطفالها، والخوف المستمر عليهم في ظل الظروف التي كانت تمر بها البلاد.
سنوات من الحصار والخسارة
ويقول إبراهيم الدروبي من حي جورة الشياح إن أصوات القذائف والرصاص كانت جزءاً من الحياة اليومية لسنوات نتيجة العمليات العسكرية التي نفذتها قوات النظام البائد في المدينة، ما دفع كثيراً من العائلات إلى النزوح إلى أحياء أخرى أو خارجها.
ويضيف أن انتشار الحواجز والاعتقالات خلق حالة خوف مستمرة، خاصة لدى الشباب، مشيراً إلى أن كثيراً من الأهالي فقدوا منازلهم أو أقاربهم خلال تلك الفترة، وأن الأمل بانتهاء تلك الظروف كان الدافع الوحيد للاستمرار والصمود.
ويؤكد أن ما عاشه السوريون خلال سنوات الثورة كان تجربة قاسية تركت آثاراً كبيرة في حياة الناس، لكن انتهاء تلك المرحلة مع التحرير فتح الباب أمام مرحلة جديدة يأمل الأهالي أن تكون أكثر استقراراً وأمناً.
رهف قمشري