يشهد سوق العقارات في محافظة حمص ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار، جعل امتلاك منزل بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين، ولا سيما الشباب المقبلين على الزواج، هدفاً بعيد المنال، في ظل اتساع الفجوة بين مستويات الدخل والقيم المتداولة للعقارات.
وأكد عدد من المواطنين الذين التقتهم “العروبة” أنهم يواجهون صعوبة كبيرة في العثور على منزل يتناسب مع إمكاناتهم المادية، مشيرين إلى أن الأسعار ارتفعت خلال الفترة الماضية بصورة لافتة، حتى بات شراء شقة متوسطة المساحة يتطلب مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر.
وأوضحوا أن سعر شقة لا تتجاوز مساحتها 100 متر مربع في ضاحية الوليد تجاوز 30 ألف دولار، رغم أنها لا تُعد من العقارات الفاخرة، بينما يتكرر المشهد في معظم أحياء المدينة.
وفي حي عكرمة، تجاوزت أسعار الشقق، ولا سيما القريبة من جامعة حمص، مستويات مرتفعة حتى بالنسبة إلى الشقق ذات الإكساء العادي والمواقع المتوسطة، الأمر الذي جعل التملك أكثر صعوبة بالنسبة للراغبين بشراء منزل.
أما في حي الوعر “حمص الجديدة”، فقال المواطن فواز، وهو من سكان الحي منذ سنوات، إنه كان يطمح إلى استبدال منزله الحالي بآخر أكبر مساحة، إلا أن الارتفاع الكبير في الأسعار حال دون تحقيق ذلك.
ويرى أصحاب المكاتبة العقارية أن ما يشهده السوق يرتبط بجملة من العوامل الاقتصادية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف البناء، وزيادة الطلب على العقارات، إلى جانب محدودية العرض في بعض المناطق.
وقال صاحب أحد المكاتب العقارية في حي الإنشاءات إن سوق العقارات، شأنه شأن بقية الأسواق، يتأثر بحركة العرض والطلب وبارتفاع أسعار مختلف السلع، موضحاً أن عودة المهجرين إلى مدنهم وقراهم أسهمت في زيادة الطلب على المساكن، الأمر الذي انعكس على الأسعار بصورة واضحة.
وأضاف أن ارتفاع أسعار مواد البناء والإكساء يعد من أبرز أسباب زيادة أسعار العقارات، في وقت لا تزال فيه القوة الشرائية للمواطنين ضعيفة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين القدرة على الشراء والأسعار الرائجة في السوق.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي يبقى عاملاً رئيسياً في تحديد قيمة العقار، إذ ترتفع الأسعار كلما اقتربت العقارات من مركز المدينة والأسواق التجارية، مثل الدبلان والحمرا والغوطة وحي المحطة، بينما تنخفض نسبياً في ضواحي المدينة، مؤكداً أن مصلحة المكاتب العقارية تكمن في تنشيط حركة البيع والشراء، لا في استمرار ارتفاع الأسعار.
من جانبه، اعتبر فايز خ، صاحب مكتب عقاري في حي وادي الذهب، أن العقار يبقى من أكثر الأصول حفاظاً على قيمته، وأن الأسعار تتغير تبعاً للواقع الاقتصادي، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار العقارات يبدو طبيعياً إذا ما قورن بالارتفاع الذي شهدته مواد البناء والسلع الأساسية خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، يبرز ملف الجمعيات التعاونية السكنية بوصفه أحد الملفات التي يعول عليها في زيادة المعروض السكني مستقبلاً، بعد سنوات من تعثر العديد من مشاريعها.
وفي هذا السياق، أوضحت مديرة الاتحاد التعاوني السكني، رود مراد، في تصريح لـ”العروبة”، أن الاتحاد ينفذ حالياً مشروع التوسع الغربي في حي الوعر، والذي يضم أكثر من خمسة آلاف شقة سكنية، مؤكدة أن إنجاز المشروع سيسهم في زيادة المعروض من المساكن، بما يساعد على التخفيف من أسعار العقارات وأجور المساكن.
وأضافت أن الاتحاد يعمل في الوقت الحالي على دراسة أوضاع الجمعيات التعاونية السكنية المتعثرة، من خلال عقد اجتماعات مع مجالس إداراتها، تمهيداً لإعداد إحصائية محدثة للجمعيات القائمة وتقييم واقعها، بما يسهم في إعادة تفعيل دورها خلال المرحلة المقبلة، وينعكس إيجاباً على سوق العقارات في المحافظة.
وأشار مهندس سابق في الاتحاد التعاوني السكني إلى أن عدد الجمعيات التعاونية في حمص كان يتجاوز 140 جمعية، وكانت تنفذ مشاريع سكنية في منطقة التوسع الغربي، بالتوازي مع تنفيذ البنى التحتية من طرق وأرصفة وحدائق وشبكات للصرف الصحي والكهرباء والمياه.
وأضاف أن إحدى الشركات الخاصة باشرت تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع عام 2009، فيما رست عقود المرحلة الثانية على الشركة العامة للطرق والجسور، التي استمرت في العمل حتى نهاية عام 2011 قبل أن يتوقف المشروع بسبب اندلاع الثورة السورية.
وأوضح أنه جرى استئناف العمل بالمشروع عام 2016، إلا أن الارتفاع الكبير في الأسعار أدى إلى توقفه مجدداً لإعادة دراسة التكاليف وتعديلها بما يتناسب مع الأسعار السائدة، مشيراً إلى أن من أبرز مطالب الجمعيات آنذاك كان تأمين مقاسم وأراضٍ للبناء من القطاع العام، سواء من مجلس المدينة أو البلديات أو المؤسسة العامة للإسكان، بأسعار الكلفة.
وبيّن أن مجلس مدينة حمص كان قد خصص نحو ألف هكتار لصالح الجمعيات التعاونية السكنية، إلا أن الحكومات السابقة أوقفت منذ نحو ربع قرن سياسة تخصيص الأراضي المجانية أو منخفضة الكلفة لهذه الجمعيات، بعد تفشي الفساد في عدد منها، الأمر الذي أضعف قدرتها على تنفيذ مشاريع سكنية جديدة.
وأضاف أن العديد من الوقائع آنذاك كشفت عن تجاوزات تمثلت في تسجيل أسعار الأراضي بقيم أعلى من أسعار شرائها، ما أدى إلى تحميل المكتتبين فروقات مالية كبيرة.
وبين استمرار ارتفاع أسعار العقارات، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وتعثر عدد من مشاريع الإسكان خلال السنوات الماضية، تتجه الأنظار إلى المشاريع السكنية الجديدة وإعادة تفعيل دور الجمعيات التعاونية السكنية بوصفها أحد الخيارات التي يمكن أن تسهم في زيادة المعروض السكني وإعادة قدر من التوازن إلى سوق العقارات في محافظة حمص.
العروبة – سهيلة إسماعيل