دعا الباحث عطية مسوح إلى تجاوز الأحكام الأحادية واعتماد مقاربة فكرية أكثر انفتاحاً تقوم على تعدد الرؤى والحوار، وذلك خلال محاضرة بعنوان «الكأس ونصف الكأس» ضمن ملتقى حمص الثقافي للبحوث والدراسات، التي نظمها اتحاد الكتاب العرب – فرع حمص، بالتعاون مع رابطة الخريجين الجامعيين، في مقر الرابطة.
استهل مسوح محاضرته ببيت الإمام الشافعي: “وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ…”، متخذاً منه مدخلاً لنقد النظرة الأحادية التي تختزل الواقع في زاوية واحدة، وتصدر أحكاماً قاطعة على الأفكار والأشخاص بعيداً عن تعدد السياقات ووجوه الحقيقة.
وأوضح أن عنوان المحاضرة «الكأس ونصف الكأس» يتجاوز المقولة الشائعة التي تحصر التفكير بين رؤية نصف الكأس الممتلئ أو الفارغ، داعياً إلى رؤية أكثر شمولاً ومرونة، تتيح مقاربة القضايا الفكرية والاجتماعية بوعي مركب بعيد عن التبسيط واليقين المطلق.
وأشار إلى أن محاضرته استندت إلى المنهجين الجدلي التاريخي والتأويلي، بهدف تتبع تطور مناهج البحث والمنطلقات المنطقية التي حكمتها عبر التاريخ.
واستعرض هيمنة المنطق الأرسطي الصوري لقرون طويلة، والقائم على مبادئ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع، قبل أن تفتح التحولات العلمية والفلسفية، ولاسيما الجدل والنظرية النسبية، آفاقاً جديدة أكثر مرونة في فهم الظواهر.
وبيّن أن الفكر المعاصر اتجه تدريجياً نحو ما وصفه بـ«المنطق الاحتمالي»، الذي يقوم على نسبية الصواب والخطأ وتعدد زوايا النظر، بدلاً من الأحكام المغلقة. كما تناول عدداً من النظريات الحديثة، مثل تأثير الفراشة ومنطق الضبابية، و دورها في إبراز أهمية التفاصيل والعوامل الجزئية في تشكيل الظواهر الكبرى.
وتوقف المحاضر عند أسباب استمرار الأحادية في بعض الدراسات الفكرية والنقدية، مرجعاً ذلك إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما محدودية التكوين الثقافي للباحث رغم تعدد قراءاته، وثانيهما هيمنة الأيديولوجيا التي تحول الأفكار إلى قناعات جامدة تقيد حرية العقل وتحد من قدرته على الحوار والمراجعة.
وأكد مسوح أن الفكر لا يتطور إلا من خلال ثلاثة مستويات من الحوار…حوار الفكر مع الواقع، وحواره مع الفكر الآخر، والحوار الذاتي الذي يمارسه الباحث مع أفكاره.
وفي هذا السياق ناقش مفاهيم حديثة مثل القطيعة المعرفية ونظريات «الما بعد» و*«موت المؤلف»* و*«موت النص»، معتبراً أن بعض هذه الطروحات، رغم حداثتها، أعادت إنتاج أشكال جديدة من الأحادية بما يتوافق مع تحولات العولمة.
وفي ختام المحاضرة، طرح مجموعة من الرؤى التي تسهم في الحد من الأحادية والأدلجة في البحث الفكري، مشدداً على أهمية مراجعة المثقف لأدواته المعرفية، وترسيخ ثقافة الحوار في المؤسسات التعليمية والأنشطة الثقافية.
وشهدت المحاضرة تفاعلاً وحضوراً لافتاً من الأدباء والمثقفين والمهتمين، مؤكدة أهمية ترسيخ الحوار والانفتاح الفكري باعتبارهما ركيزة أساسية لأي بحث علمي يسعى إلى الاقتراب من الحقيقة من خلال تعدد الرؤى وتكاملها، لا عبر احتكارها أو اختزالها.
العروبة – سلوى الديب