إعدام وسيم الأسد.. حين تنتقل العدالة من ذاكرة الضحايا إلى قاعة المحكمة

مقال رأي: أحمد نور

يمثل الحكم الصادر بالإعدام بحق وسيم الأسد محطة لافتة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ليس فقط بالنظر إلى هوية المحكوم عليه وصلته بالعائلة التي حكمت البلاد لعقود، وإنما لما تحمله محاكمته من دلالة على انتقال التعامل مع إرث الانتهاكات من مرحلة توثيق الجرائم وحفظ شهادات الضحايا، إلى مرحلة المساءلة أمام القضاء.

الحكم يكتسب أهميته من أن السوريين الذين عاشوا سنوات طويلة تحت وطأة الانتهاكات لا ينتظرون مجرد إدانة سياسية أو أخلاقية لمرتكبيها، بل ينتظرون عدالة تحول الوقائع والشهادات والأدلة إلى ملفات قضائية، وتمنح الضحايا حقهم في أن يروا من ارتكب الجرائم بحقهم واقفاً أمام قضاء يسأله عن أفعاله.

ويشير مسار محاكمة وسيم الأسد، بما تضمنه من جلسات واستماع إلى الشهود ومناقشة للأدلة والقرائن وتقارير للطبابة الشرعية ومرافعات للادعاء والدفاع، إلى أهمية أن تكون المحاسبة فعلاً مؤسساتياً يستند إلى القضاء، لا فعلاً انتقامياً تحكمه ردود الأفعال، فالفارق بين العدالة والانتقام يكمن تحديداً في وجود القانون والمحاكمة والحق في الدفاع وصدور الأحكام عن المؤسسات القضائية.

وهنا تبرز إحدى أهم وظائف العدالة الانتقالية، وهي تثبيت مبدأ المسؤولية الفردية عن الجرائم، لأن محاسبة شخص على أفعال ثبتت بحقه قضائياً تختلف جذرياً عن تحميل جماعة أو بيئة اجتماعية مسؤولية جرائم أفراد منها، وهذا المبدأ يشكل ضرورة لسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الصراع والانقسام، إذ لا يمكن معالجة ظلم سابق بإنتاج ظلم جديد.

ويحمل الحكم كذلك رسالة إلى ضحايا نظام الأسد البائد مفادها أن الجرائم التي ارتكبت بحقهم ليست ملفات طواها الزمن، وأن الشهادات التي حملوها طوال سنوات يمكن أن تجد طريقها إلى قاعات المحاكم، فالعدالة الانتقالية لا تستمد قيمتها من عدد الأحكام الصادرة فحسب، وإنما من قدرتها على إعادة الاعتبار للضحايا، والاعتراف بما تعرضوا له، ومنحهم مكاناً أساسياً في عملية بناء الدولة الجديدة.

كما يكتسب ذلك أهمية إضافية في الحالة السورية، لأن حجم الانتهاكات وتعدد أشكالها، من القتل والتعذيب إلى الاعتقال والاختفاء القسري والتهجير، يجعل العدالة عملية طويلة ومعقدة لا يمكن اختزالها بحكم واحد أو بمجموعة أحكام، مهما كانت أهمية المتهمين الذين تطالهم، ولذلك فإن قضية وسيم الأسد ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من مسار أوسع، لا نهاية لهذا المسار.

وتتطلب العدالة الانتقالية، إلى جانب المحاكمات والمساءلة الجنائية، كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا وحفظ الذاكرة وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات، لأن الغاية النهائية ليست معاقبة مرتكبي الجرائم وحدهم، وإنما بناء دولة يصبح فيها تكرار تلك الجرائم أكثر صعوبة، ويكون القانون فيها أعلى من الأشخاص ومراكز النفوذ.

ويضع الحكم المؤسسات السورية أمام مسؤولية كبيرة أيضاً، فكل محاكمة عادلة وشفافة تعزز ثقة السوريين بالقضاء، بينما تصبح سلامة الإجراءات القانونية وضمان حقوق المتهمين والضحايا معاً جزءاً من قوة الأحكام ومصداقيتها، ولا سيما أن العدالة الانتقالية ستكون واحدة من أكثر الملفات حساسية في السنوات المقبلة.
ويبعث وصول أحد أفراد الدائرة المرتبطة بنظام الأسد البائد إلى القضاء برسالة سياسية وقانونية مهمة، مفادها أن القرابة والنفوذ والمكانة التي كانت تمنح أصحابها حصانة فعلية في الماضي، لا ينبغي أن تبقى حاجزاً أمام المساءلة، وأن بناء الدولة بعد سقوط ذلك النظام يبدأ، في أحد جوانبه الأساسية، من إنهاء فكرة الشخص الذي لا يمكن للقانون الوصول إليه.

ويحتاج السوريون اليوم إلى هذا المعنى بقدر حاجتهم إلى الأحكام نفسها، إذ إن إعادة بناء الثقة بالدولة لا تتحقق بالشعارات، وإنما عندما يرى المواطن أن الجريمة تقود إلى التحقيق، وأن الأدلة تقود إلى المحاكمة، وأن المحكمة تستطيع إصدار حكمها بعيداً عن هوية المتهم ونفوذه السابق.
نجاح مسار العدالة الانتقالية سيبقى مرهوناً بقدرته على الاستمرار وفق قواعد واضحة وعادلة، وعلى الوصول إلى كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم ضمن الولاية القانونية لهذا المسار، بعيداً عن المحاكمات الانتقائية أو منطق الثأر، لأن العدالة التي تحتاجها سوريا هي التي تنصف الضحية وتحاسب الجاني وتحمي المجتمع في الوقت نفسه.

ويشكل الحكم على وسيم الأسد، من هذه الزاوية، اختباراً عملياً لفكرة أن سوريا الجديدة تستطيع مواجهة إرث الماضي بالقضاء والمؤسسات، وأن دماء الضحايا وحقوق المعتقلين والناجين وعائلات المفقودين ليست مجرد فصل في تاريخ انتهى، بل مسؤولية وطنية وقانونية لا يمكن بناء مستقبل مستقر من دون التعامل معها.

وتبدأ المصالحة الحقيقية عندما يعرف الضحايا أن حقوقهم لم تُنس، وعندما يدرك المجتمع أن المحاسبة لا تعني الانتقام، وعندما يصبح القانون هو الطريق الوحيد لاسترداد الحقوق، لذلك فإن القيمة الأعمق لمحاكمة وسيم الأسد لا تتوقف عند منطوق الحكم، بل تمتد إلى السؤال الأكبر الذي سيحدد مستقبل العدالة في سوريا: هل تستطيع الدولة تحويل هذه المحاكمات إلى مسار مستدام يؤسس لسيادة القانون ويمنع عودة زمن الإفلات من العقاب؟

وتبدو الإجابة مرتبطة بما سيأتي بعد هذا الحكم، فنجاح العدالة الانتقالية لن يقاس بقضية واحدة مهما كان وقعها، وإنما بقدرتها على بناء منظومة متكاملة تكشف الحقيقة، وتنصف الضحايا، وتحاسب المسؤولين، وتجبر الضرر، وتصلح المؤسسات، وتضمن ألا يعيش السوريون مرة أخرى التجربة التي دفعوا ثمنها طوال سنوات.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع