مقال: أحمد نور
اختصرت سبع وثلاثون ثانية، على الهواء مباشرة، مرحلة امتدت سبعة وأربعين عاماً، حين هنأ الرئيس أحمد الشرع السوريين برفع اسم بلادهم من قائمة الدول الراعية للإرهاب، معلناً بكلمات قليلة سقوط واحد من أثقل القيود التي لازمت سوريا لعقود، في مشهد لم يحتج إلى خطاب طويل، لأن دلالة اللحظة بدت أكبر من الكلمات التي قيلت فيها.
حمل الإعلان في مضمونه ما يتجاوز قراراً سياسياً أو إجراءً قانونياً أمريكياً، إذ تقف خلف هذا التصنيف عقود من العزلة والقيود التي ارتبطت بسياسات نظام الأسد البائد وممارساته، بينما وجد السوريون أنفسهم يتحملون تبعات خيارات لم يصنعوها، ويدفعون من حاضرهم ومستقبلهم ثمن سياسات سلطة اختزلت الدولة في بقائها ومصالحها.
واختزلت عبارة الرئيس أحمد الشرع، حين طلب من الله أن يعينه على خدمة الشعب السوري، معنى آخر لا يقل أهمية عن رفع التصنيف نفسه، فالسوريون الذين عاشوا عقوداً تحت سلطة سخّرت مؤسسات الدولة لخدمتها، انتظروا طويلاً أن تنقلب المعادلة، وأن تصبح الدولة ومؤسساتها في خدمة المواطن، وأن يكون الإنسان وكرامته ومستقبله في مقدمة أولوياتها.
انتظر السوريون أيضاً أن يسمع العالم باسم بلادهم بعيداً عن العقوبات والحروب والعزلة، وأن تستعيد سوريا مكانتها بما تحمله من تاريخ وحضارة وإمكانات، وأن يستعيد جواز السفر السوري قيمته، وتعود الجامعات إلى الانفتاح على العالم، والمطارات إلى استقبال مزيد من الرحلات، والمدن إلى استقبال الزوار، ويتحول الحديث عن البلاد من الخراب والأزمات إلى الاستثمار والإعمار والعمل والمستقبل.
لا يعني رفع التصنيف أن آثار عقود طويلة ستختفي بقرار، كما لا يعني أن السوريين سيستيقظون في اليوم التالي على اقتصاد مختلف أو أسعار أقل أو خدمات أفضل، فالتغييرات الاقتصادية والمالية تحتاج إلى إجراءات ومفاوضات وثقة تتراكم تدريجياً، لكن أهمية الخطوة تكمن في إزالة واحد من أبرز الحواجز القانونية والسياسية التي ظلت تعيق تعامل سوريا الطبيعي مع العالم.
ويعرف السوريون، ربما أكثر من غيرهم، أن فتح الأبواب لا يكفي إن لم تكن البلاد مستعدة لعبورها، وأن النجاح الدبلوماسي لا تكتمل قيمته إلا عندما يتحول إلى فرصة اقتصادية، واستثمار، وفرص عمل، وإعادة إعمار، وتعليم أفضل، وخدمات أكثر كفاءة، وحياة يشعر المواطن فيها بأن ما يتحقق باسم بلاده يصل أثره إليه.
وتكتسب هنا كلمات الرئيس أحمد الشرع عن خدمة الشعب دلالتها الأوسع، لأن المرحلة المقبلة ستضع الدولة أمام مسؤولية تحويل الانفتاح الخارجي إلى نتائج داخلية، فنجاح العلاقات السياسية لا يقاس فقط بعدد الزيارات والاتفاقيات والبيانات، وإنما بقدرتها على تحسين شروط حياة السوريين، وتعزيز الاستقرار، وإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد، وفتح الآفاق أمام جيل عاش سنوات طويلة وسط الحرب والتهجير والعزلة.
طوال عقود دفع السوريون أثمان قرارات لم يكونوا شركاء فيها، وحملوا آثار سياسات نظام الأسد البائد وتحالفاته وممارساته، حتى أصبح اسم سوريا في أجزاء واسعة من العالم مقترناً بالعقوبات والقيود والأزمات، في حين بقي شعبها أكبر المتضررين من تلك الصورة ومن تبعاتها السياسية والاقتصادية.
ويمنح سقوط هذا التصنيف السوريين فرصة إضافية لتقديم بلادهم بصورة مختلفة، لا باعتبارها دولة محاصرة بإرث النظام البائد، وإنما بلداً يحاول إعادة بناء نفسه وعلاقاته ومؤسساته، واستعادة موقعه الطبيعي انطلاقاً من مصالح شعبه، بعد سنوات كان القرار السوري خلالها مرهوناً بحسابات السلطة وحلفائها.
وتبدو المفارقة كبيرة بين قصر لحظة الإعلان وطول الطريق إليها، فسبع وثلاثون ثانية كانت كافية لنقل الخبر إلى السوريين، لكن الوصول إلى تلك الثواني جاء بعد سنوات من الألم والتضحيات والتحولات، وبعد مسار سياسي ودبلوماسي هدف إلى إزالة القيود التي ورثتها سوريا عن المرحلة السابقة.
وتبدأ المهمة الأصعب بعد الاحتفال باللحظة، لأن تحرير البلاد من آثار الماضي لا يتحقق بإزالة اسم من قائمة وحدها، بل ببناء دولة ومؤسسات واقتصاد قادر على الاستفادة من الفرص التي يتيحها الانفتاح، وبترسيخ نموذج يشعر معه السوري بأن التحولات الكبرى التي يسمع عنها ليست بعيدة عن حياته اليومية.
نعم، فتحت أمام سوريا اليوم واحدة من أكبر الأبواب التي ظلت مغلقة لعقود، لكن ما سيحدد القيمة الحقيقية لهذه اللحظة هو ما سيأتي بعدها، ومدى قدرة الدولة على تحويلها إلى مسار طويل من الاستقرار والبناء والتنمية.
سبع وثلاثون ثانية إذاً، اختصرت 47 عاماً من التصنيف، لكنها في الوقت نفسه أعلنت بداية مرحلة أطول من العمل، ويبقى المعنى الذي ختم به الرئيس أحمد الشرع كلماته البوصلة الأهم لما بعد رفع العقوبات والقيود: خدمة الشعب السوري.
المزيد...