قبل زمن الألعاب الجاهزة.. ماذا تعرف عن «الخمس حصوات» و«النبقة» و«الأحجار السبعة» في ذاكرة حمص

العروبة – خاص
شكّلت الحارات والساحات في حمص قبل عقود فضاءً مفتوحاً لألعاب ابتكر الأطفال معظم أدواتها بأنفسهم، مستفيدين من الحصوات وقطع الخشب والأقمشة والبلاط وغيرها من المواد المتوافرة في محيطهم، لتنشأ ألعاب شعبية لم تكن وظيفتها التسلية فقط، بل جمعت الحركة والتفكير والتعاون والمنافسة في نشاط يومي مشترك.
وحملت ألعاب مثل «الخمس حصوات» و«العروس» و«النبقة» و«طيارة الورق» و«الأحجار السبعة» جانباً من ملامح الطفولة الحمصية، قبل أن تتراجع تدريجياً مع انتشار الألعاب المصنعة والجاهزة وتغير أنماط الترفيه لدى الأطفال.
الحارة مساحة للعب
واعتمدت الألعاب الشعبية على ممارسة النشاط في الهواء الطلق، حيث كان الركض والحركة والتفاعل المباشر بين الأطفال عناصر أساسية في معظمها، الأمر الذي جعل الساحة والشارع جزءاً من تفاصيل اللعب، وليس مجرد مكان لممارسته.
وأوضح عضو الجمعية التاريخية خالد الفرج، في حديث لـ«العروبة»، أن هذا النمط كان سائداً لدى أطفال حمص قبل نحو خمسين عاماً، مشيراً إلى أن غالبية الألعاب اعتمدت على الحركة الجماعية والنشاط البدني والتعرض لأشعة الشمس.
أدوات بسيطة يصنعها الأطفال
واستفادت الألعاب القديمة من المواد الموجودة في البيئة المنزلية والمحيطة، فلم تكن الحاجة إلى شراء أدوات جاهزة شرطاً لممارستها، إذ دخلت قطع الأقمشة المستهلكة وأغطية عبوات المشروبات الغازية والأخشاب المرمية وأجزاء البلاط المكسور في صناعة عدد منها.
وأشار الفرج إلى أن اعتمادها على مواد بسيطة جعلها متاحة لمختلف الأطفال بعيداً عن الفوارق في الإمكانات المادية، فيما دفعت عملية صناعة اللعبة نفسها الطفل إلى التفكير والابتكار والاستفادة مما هو متاح حوله.
وأسهمت طبيعة تلك الألعاب، وفق الفرج، في تقوية البنية الجسدية وتنمية الانتباه والذكاء والتنسيق بين الحركة والتفكير، إلى جانب ترسيخ التعاون وروح المنافسة والمحبة والسلوك الحسن.

خمس حصوات.. والمهارة هي الأساس
واعتمدت لعبة «الخمس حصوات» على أدوات تكاد لا تحمل أي تكلفة، مقابل حاجتها إلى التركيز والدقة والقدرة على التنسيق بين حركة اليد والانتباه الذهني.
ومارس البنات والصبيان اللعبة ضمن منافسات تقوم على المهارة، لتجمع بين التسلية وتنمية التركيز والقدرات الحركية والذهنية في الوقت نفسه.
«العروس».. لعبة تولد من الأشياء المستهلكة
وصنعت البنات لعبة «العروس» من أغطية عبوات المشروبات الغازية وبقايا الأقمشة المنزلية والبلاستيك الملون، قبل تزيينها بما يتوافر من ألوان، وعكست طريقة صناعتها جانباً مختلفاً من الألعاب الشعبية، يقوم على إعادة استخدام المواد المستهلكة وتحويلها بالخيال والمهارة اليدوية إلى لعبة، بدلاً من الحصول عليها جاهزة.
«النبقة».. المنافسة على أبعد مسافة
وجمعت لعبة «النبقة» بين القوة والدقة والمهارة، واعتمدت على خشبة يبلغ طولها نحو 60 سنتيمتراً وعرضها قرابة خمسة سنتيمترات، إضافة إلى قطعة خشبية صغيرة ذات طرف مدبب.
وبدأت اللعبة بوضع القطعة الصغيرة على الأرض وضربها بالخشبة الكبيرة حتى ترتفع قليلاً، ثم توجيه ضربة أخرى قوية إليها لدفعها إلى الأمام، مع منح الفريقين عدداً متساوياً من المحاولات.
وحسمت المسافة نتيجة المنافسة، إذ كان الفوز للفريق الذي يتمكن من دفع قطعته الخشبية إلى أبعد نقطة، ما جعل دقة الضربة وقوتها العاملين الأساسيين في تحديد النتيجة.
طيارة الورق.. الصناعة جزء من المتعة
وبدأت متعة «طيارة الورق» قبل إطلاقها إلى السماء، إذ كان الأطفال يصنعون هيكلها من القصب والورق، ويستخدمون بقايا الأقمشة لتشكيل ذيلها، مع تجهيزها بخيط قوي وطويل.
وانطلقت بعدها مرحلة اللعب بالركض وإرخاء الخيط تدريجياً حتى ترتفع الطائرة، لتتحول السماء إلى مساحة أخرى للمنافسة بين الأطفال حول قدرة كل طائرة على الارتفاع والتحليق بصورة أفضل.
«الأحجار السبعة».. فريق في مواجهة فريق
وفرضت لعبة «الأحجار السبعة» نمطاً جماعياً مختلفاً، إذ احتاجت إلى كرة صغيرة وسبع قطع من البلاط، مع توزيع الأطفال على فريقين يتنافسان وفق أدوار متبادلة.
وبدأ أحد الفريقين بإسقاط قطع البلاط باستخدام الكرة، فيما عمل الفريق الآخر على إعادة جمعها وترتيبها فوق بعضها، بالتزامن مع محاولة الفريق المنافس إصابة أحد أفراده بالكرة، وجمعت هذه الآلية بين سرعة الحركة ودقة التصويب والانتباه والتنسيق بين أفراد الفريق، وهو ما جعل التعاون جزءاً أساسياً من استمرار المنافسة.
مهارات تتكون أثناء اللعب
وتجاوزت أهمية الألعاب الشعبية فكرة قضاء وقت الفراغ، إذ جمعت بين النشاط الجسدي والمهارات الذهنية والاجتماعية في وقت واحد، ومنحت الطفل مجالاً للحركة والتفكير والتعامل المباشر مع أقرانه.
وأكد الفرج أن هذه الألعاب أسهمت في تنمية الذكاء والانتباه والإبداع والابتكار، إلى جانب بناء روح التعاون والمنافسة، فيما ساعدت طبيعتها الحركية على النشاط البدني والتفاعل مع البيئة المحيطة.
من صناعة اللعبة إلى شرائها
وتغيرت علاقة الأطفال باللعب مع انتشار المنتجات المصنعة والمستوردة، إذ تراجع جانب من الألعاب التي كان الطفل يصنع أدواتها بنفسه ويخرج لممارستها مع أقرانه في الحارات والساحات.
ولفت الفرج إلى أن الألعاب الحديثة التي تقل فيها الحركة والتفاعلات المباشرة قد تسهم في زيادة الخمول وقلة النشاط البدني وضعف التركيز، مقارنة بالألعاب الشعبية التي ارتبطت بالحركة وسرعة البديهة والتواصل المباشر.
وتحمل الألعاب الشعبية القديمة بذلك جانباً من التراث الاجتماعي لحمص، ليس لأنها تنتمي إلى زمن مضى فحسب، وإنما لأنها توثق طريقة مختلفة في صناعة الطفل لمساحة الترفيه الخاصة به، حين كانت المواد البسيطة والخيال والحارة ومجموعة من الأصدقاء كافية لبدء اللعبة.
ويبقى توثيق «الخمس حصوات» و«العروس» و«النبقة» و«طيارة الورق» و«الأحجار السبعة» وسواها وسيلة لحفظ جانب من الذاكرة الشعبية للمدينة، ونقل صورة إلى الأجيال الجديدة عن ألعاب جمعت بأبسط الأدوات بين المتعة والحركة والإبداع والعمل الجماعي.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع