العروبة – خاص
فرضت الحياة الرقمية نمطاً متسارعاً من التنقل بين الإشعارات والرسائل والبريد الإلكتروني ومنصات التواصل، ما جعل الحفاظ على التركيز في مهمة واحدة أكثر صعوبة، رغم الاعتقاد بأن تعدد المهام يساعد على إنجاز أعمال أكثر في الوقت نفسه.
وكشفت دراسات حول الانتباه أن الدماغ لا يتعامل مع المهام المتعددة بالكفاءة ذاتها، بل ينتقل سريعاً بينها، ما قد يجعل الأنشطة التي تتطلب تركيزاً وصبراً، كالقراءة أو مشاهدة فيلم أو خوض محادثة طويلة، أقل جاذبية مقارنة بالمحتوى الرقمي المتجدد كل بضع ثوان.
وأطلقت تعبيرات شائعة مثل «دماغ تيك توك» و«تعفن الدماغ» لوصف المخاوف المرتبطة بالإفراط في استهلاك المحتوى والتنقل المستمر بين التطبيقات، وهي مصطلحات غير طبية، لكنها تشير إلى حالة من التشتت وصعوبة المحافظة على الانتباه لفترات طويلة.
وحذر الخبير الاقتصادي وعالم النفس هربرت سيمون منذ عام 1971 من أن وفرة المعلومات تخلق فقراً في الانتباه، وهي الفكرة التي ارتبطت لاحقاً بما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تتنافس المنصات والخدمات الرقمية على وقت المستخدم وتركيزه.
وأظهرت أبحاث عالمة النفس غلوريا مارك أن متوسط الوقت الذي يمضيه الأشخاص على مهمة واحدة قبل الانتقال إلى أخرى في بيئات العمل الرقمية انخفض من نحو دقيقتين ونصف الدقيقة عام 2004 إلى قرابة 75 ثانية عام 2012، بينما أشارت بيانات أحدث إلى وصوله إلى نحو 45 ثانية.
وأشارت مارك إلى أن الإشعارات المتواصلة والإرهاق الرقمي والمحتوى الموجه بالخوارزميات قد تسهم في زيادة التوتر وتشتت الانتباه وتعزيز بعض السلوكيات القهرية، بما يؤثر في التركيز والرفاهية.
وبيّنت الأبحاث أن الانتقال المستمر بين الهاتف والبريد الإلكتروني وصفحات الإنترنت لا يوفر الوقت بالضرورة، إذ يحتاج الدماغ إلى إعادة توجيه انتباهه في كل مرة، ما قد يبطئ إنجاز الأعمال ويزيد احتمالات الأخطاء ويستنزف الموارد الذهنية.
وأوضحت الاختصاصية النفسية جو ستيوارت أن التكنولوجيا ليست العامل الوحيد، إذ تؤدي البيئة والعادات اليومية دوراً أساسياً في تشكيل الانتباه، وقد يدرب الاستخدام المستمر للشاشات الدماغ على البحث الدائم عن المحفزات الجديدة بدلاً من البقاء مع مهمة واحدة.
ودعا خبراء إلى تقليل المشتتات عبر إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتخصيص أوقات محددة لفحص البريد والرسائل، وتفعيل وضع «عدم الإزعاج»، وإبعاد الهاتف عند تنفيذ الأعمال التي تتطلب تركيزاً عميقاً.
ونصحوا بمراقبة العادات الرقمية ومعرفة الظروف التي تدفع إلى تفقد الهاتف، إلى جانب منح العقل فترات من الملل بعيداً عن تدفق المحتوى، واستخدام تقنية «بومودورو» القائمة على تخصيص فترات للعمل تتخللها استراحات قصيرة.
وأظهرت تجارب أجراها باحثون من جامعة ميشيغان أن قضاء الوقت في الطبيعة، أو حتى مشاهدة صورها، يمكن أن يساعد على استعادة القدرة على التركيز، إذ تتيح البيئات الطبيعية للانتباه العمل بطريقة أقل إجهاداً مقارنة بالمحفزات الكثيفة في البيئات الحضرية.
وأكدت هذه النتائج أن استعادة التركيز لا تتطلب بالضرورة التخلي عن التكنولوجيا، وإنما إعادة تنظيم العلاقة معها، وتدريب العقل على البقاء مع مهمة واحدة ومنحه فترات حقيقية من الراحة بعيداً عن التدفق الرقمي المتواصل.
المزيد...