العروبة – خاص
يحافظ الأديغيون، أو الشركس كما عُرفوا تاريخياً، على إرث ثقافي واجتماعي غني تمتد جذوره إلى شمال القوقاز بين البحر الأسود وبحر قزوين، وترتبط ملامحه بقيم الفروسية والشجاعة والانضباط الاجتماعي، إلى جانب منظومة من العادات والتقاليد التي نظمت تفاصيل الحياة الأسرية والمجتمعية.
وتبقى ملامح هذا التراث حاضرة في محافظة حمص رغم ما فرضته الهجرة والشتات من تحولات على المجتمع الأديغي، إذ تتجلى في الضيافة والمطبخ والملابس التقليدية والموسيقى والرقص، وصولاً إلى الأسرة والأعياد وطقوس الزواج، ضمن هوية ثقافية تحرص الأجيال على صونها ونقلها إلى أبنائها.
الأديغة.. اسم وهوية وذاكرة
ويطلق الشركس على أنفسهم اسم «الأديغة»، فيما استُخدمت تسمية «شركس» تاريخياً للإشارة إلى مجموعات من شعوب القوقاز، وكان للأديغيين حضور بارز في التاريخ الإسلامي، ولا سيما خلال عصر المماليك الشراكسة في مصر وبلاد الشام.
وشهد القرن التاسع عشر واحدة من أكبر موجات التهجير في تاريخ الأديغيين عقب الحرب الطويلة مع الإمبراطورية الروسية، التي انتهت عام 1864 بتهجير أعداد كبيرة منهم إلى أراضي الدولة العثمانية، ليستقر قسم منهم لاحقاً في تركيا وبلاد الشام ومصر، بالتوازي مع استمرار وجودهم في موطنهم التاريخي شمال القوقاز.
الزي التقليدي.. صورة الفارس الأديغي
ويشكل الزي التقليدي أحد أبرز ملامح الهوية الأديغية، إذ تحمل تفاصيله انعكاساً لتاريخ الفروسية والأناقة اللذين ارتبطا بشعوب القوقاز، ويتألف زي الرجل من معطف طويل يصل إلى ما تحت الركبة، بأكمام واسعة وفتحة رقبة دائرية، وتزين صدره جيوب البارود المعروفة باسم «الخازرات»، وهي أنابيب صغيرة مصطفة على جانبي الصدر كانت تستخدم قديماً لحفظ البارود، ومنحت اللباس طابعه العسكري المميز.
يكتمل الزي بحزام جلدي رفيع تزينه قطع معدنية فضية، ويعلق عليه الخنجر الشركسي التقليدي «القاما»، فيما يأتي السروال واسعاً من الأعلى وضيقاً عند الأسفل بما يساعد على الحركة وركوب الخيل، ويضاف إليه غطاء الرأس الدائري «القلبق» المصنوع من صوف الخراف.
أناقة المرأة.. فن تتوارثه الأجيال
يتميز الزي النسائي بفستان طويل وفاخر صُمم لإبراز قوام المرأة برشاقة، وغالباً ما يصنع من أقمشة غنية مثل المخمل والحرير، وتزينه تطريزات يدوية دقيقة بخيوط ذهبية أو فضية على الصدر والأطراف.
ويكمل الحزام الفضي أو الذهبي وغطاء الرأس التقليدي المزخرف تفاصيل اللباس، لتجتمع عناصره في صورة تعكس خصوصية الفن الأديغي والمهارات التقليدية التي تناقلتها الأجيال.
«الخابزة».. قواعد للحياة
تحتل «الخابزة»، وهي منظومة العادات والأعراف الشركسية، موقعاً أساسياً في الثقافة الأديغية، إذ تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع وترسخ قيم الاحترام المتبادل والشجاعة والتواضع وحب الوطن والعمل والالتزام بالواجبات الاجتماعية.
وتظهر هذه القيم داخل الأسرة بصورة خاصة، إذ يحظى كبار السن بمكانة رفيعة، ويتعلم الأطفال منذ الصغر الأدب والتواضع واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية، فيما تسهم المناسبات والأعياد والطقوس الاجتماعية في تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع.
وتؤدي المرأة دوراً مهماً في الحفاظ على تماسك الأسرة ونقل جانب من المهارات التقليدية إلى الأجيال الجديدة، بما فيها الخياطة والتطريز والأعمال اليدوية وفنون إعداد الطعام، في حين تحافظ الموسيقى والرقصات الشعبية على حضورها في المناسبات الاجتماعية والتراثية.
الضيف.. مكانة تتجاوز حدود المنزل
تحتفظ الضيافة بمكانة خاصة في المجتمع الأديغي، إذ لا ينظر إليها باعتبارها مجرد عادة اجتماعية، وإنما بوصفها التزاماً أخلاقياً، ويحظى الضيف وفق التقاليد بمكانة مميزة داخل المنزل، ويتحمل المضيف مسؤولية راحته وسلامته خلال إقامته.
وتقضي إحدى العادات بعدم سؤال الضيف عن الغرض الحقيقي من زيارته خلال الأيام الثلاثة الأولى، احتراماً لخصوصيته وتجنباً لإحراجه، فيما تحاط مراسم الاستقبال والتوديع بعناية تعكس قيم الكرم والاحترام وحسن التعامل.
المطبخ.. ذاكرة بنكهة الأجداد
يحفظ المطبخ الأديغي جانباً آخر من الذاكرة الثقافية، إذ بقيت أطباق تقليدية عديدة حاضرة على الموائد وفي المناسبات، وفي مقدمتها «الجبن الأديغي» المحضر يدوياً من الحليب الطازج، و«الشلامة»، وهي فطائر مقلية تقدم ساخنة مع العسل أو الجبن.
ويحضر كذلك طبق «ليبيجه» المصنوع من اللحم المطهو ببطء مع الخضروات والتوابل، إلى جانب «الملح الأديغي» المكون من الملح والثوم والأعشاب العطرية، فيما ترافق المائدة مشروبات تقليدية من بينها الشاي الكالميكي والكفاس المصنوع من الحبوب.
الزواج.. طقوس تبدأ عند العتبة
وتحمل طقوس الزواج الأديغي مجموعة من الدلالات الاجتماعية والرمزية التي تبدأ منذ وصول العروس إلى منزل أسرة العريس، قبل أن تتوالى مراسم تعكس مكانة الأسرة وقيم المجتمع.
وتستقبل العروس، وفق العادات القديمة، أكبر نساء العائلة ممن تحظى بالاحترام وتعيش حياة زوجية مستقرة، فتدهن شفتيها بالعسل في إشارة إلى الحياة الحلوة والسعيدة، فيما يطلب من العروس عدم تناوله مباشرة، في رمز للصبر وضبط النفس.
وتحرص العروس عند وصولها، وفق المعتقد الشعبي القديم، على عدم وطء عتبة المنزل بقدمها، ولذلك كانت تحمل فوقها في بعض المناطق، قبل أن تستقبلها كبيرات السن من قريبات العريس بالتهاني والدعوات.
يعرف جزء من هذه المراسم باسم «غواشيتيشه»، أي «إدخال العروس إلى حماتها»، إذ تشارك الحماة في استقبالها وإدخالها إلى الأسرة الجديدة، وتنثر قريبات العريس العملات المعدنية عند العتبة تعبيراً عن الأمنيات بالرخاء والوفرة، ويفرش أمام العروس شريط من القماش، لتدخل المنزل بالقدم اليمنى في إشارة رمزية إلى بداية حياتها الجديدة.
«الخيط الذهبي».. إعلان الانضمام إلى الأسرة
ويبرز ضمن الطقوس القديمة تقليد يسمح للعروس بممارسة الحرف اليدوية في منزل زوجها، ولا سيما الخياطة والتطريز، في رمز إلى اندماجها في تقاليد الأسرة الجديدة.
وتشارك في الطقس ثلاث أو سبع فتيات تختارهن العائلة، وتضع كل واحدة منهن غرزة في غطاء العروس باستخدام خيط ذهبي، ترافقها أمنية طيبة للعروسين، قبل أن تضيف العروس بنفسها عدداً من الغرز إيذاناً بانضمامها إلى تقاليد منزل زوجها.
تحفظ القطعة المطرزة مع الإبرة والخيط بعد انتهاء المراسم كتذكار، ثم تقام مأدبة احتفالية تعرف باسم «دينخاو آن»، يشارك فيها الأقارب والجيران بإحضار موائد صغيرة معدة مسبقاً بالطعام، وكان التقليد يشير إلى سبع موائد، مع إمكانية تجاوز هذا العدد.
المروحة وفطيرة الجبن
حافظت بعض العادات على حضورها في حفلات الزواج المعاصرة مع إدخال تعديلات عليها، ومنها «المروحة الأديغية» التي تصنعها العروس من المخمل أو الحرير السميك وتزينها بالتطريز الذهبي، وتحملها يوم الزفاف بدلاً من باقة الزهور.
وتنقل العروس المروحة لاحقاً إلى إحدى الفتيات غير المتزوجات، في طقس رمزي يحمل أمنية لها بالزواج، فيما تحضر على مائدة الاحتفال فطيرة الجبن الأديغي «غواشه حليجو».
وتتولى امرأة مسنة من عائلة العريس، وغالباً الحماة، تقطيع الفطيرة وتوزيعها وفق ترتيب يبدأ بكبار السن والأكثر مكانة ثم الأصغر سناً، ورغم انتشار كعكة الزفاف الحديثة، لا تزال الفطيرة التقليدية تحتفظ بمكانتها في كثير من الاحتفالات الأديغية.
العريس يغادر منزله
يحمل الزواج الأديغي تقليداً لافتاً يتمثل في مغادرة العريس منزل والديه طوال فترة الاحتفالات، تجنباً للقاء أقاربه الأكبر سناً حتى انتهاء مراسم الزواج، ليقيم خلال هذه الفترة لدى أحد أصدقائه أو ابن أخته أو صهره، وفق ضوابط تقليدية تحدد المنازل التي يمكنه الإقامة فيها.
ويجتمع أصدقاء العريس حوله مساءً في منزل الأسرة المضيفة وسط أجواء من الرقص والاحتفال وتقديم الهدايا، قبل أن يعود في اليوم التالي إلى منزل والديه برفقة أقارب زوجته، على وقع «أغنية عودة العريس»، في تقليد لا تزال بعض الأسر تحافظ عليه.
«التتابع الزفافي».. دعابة وأمنية بالزواج
وتضيف الأعراس الأديغية طقساً مرحاً يعرف باسم «تمرير التتابع الزفافي»، ويستهدف الشاب الذي بلغ سن الزواج وما زال يؤجل الارتباط، إذ يخرجه اثنان من المشاركين إلى دائرة الرقص ويسلمانه علماً رمزياً أو يضعانه على كتفه، في إشارة إلى حلول دوره في الزواج.
ينتقل العلم إلى أحد أصدقائه إذا رفض الشاب المشاركة، لتتحول المراسم إلى مشهد من الرقص والضحك والمزاح، من دون أن يحمل التقليد طابعاً إلزامياً، وإنما يعبر عن المودة وأمنية العثور على شريكة الحياة وتأسيس الأسرة.
هوية تعبر الأجيال
حافظ الأديغيون، رغم عقود الهجرة والشتات، على جانب واسع من موروثهم، فاستمرت الفروسية والرقص والموسيقى والملابس والمطبخ والضيافة والطقوس الأسرية، وإن تغيرت بعض تفاصيلها بين منطقة وأخرى ومن جيل إلى آخر.
وتكشف طقوس الزواج بصورة خاصة عن ثقافة ترى في الزواج مناسبة تتجاوز ارتباط شخصين، لتصبح احتفالاً بانضمام فرد جديد إلى الأسرة والمجتمع، وتجسيداً لقيم الاحترام والتكافل والمشاركة، وتبقى روح هذه التقاليد حاضرة في حمص رغم التغيرات التي فرضتها الحياة الحديثة، لتنتقل من جيل إلى آخر حاملة ذاكرة الأديغة وخصوصية هويتهم وثراء موروثهم الثقافي.