العروبة – خاص
يعبّر الأطفال عن مشاعرهم بطرق مختلفة، فبينما يستطيع بعضهم الحديث عما يزعجهم، يختار آخرون الصمت والابتعاد عن محيطهم، لتظهر مشاعر الخوف أو القلق في صورة عزلة وانسحاب من اللعب والأنشطة والعلاقات اليومية.
وتتداخل عوامل عديدة في تشكيل علاقة الطفل بمحيطه، بدءاً من طبيعة شخصيته والبيئة الأسرية، وصولاً إلى تجربته في المدرسة وعلاقته بأقرانه، ما يجعل التغير المفاجئ أو المتزايد في سلوكه مؤشراً يستحق انتباه الأسرة والمدرسة، والبحث عن الأسباب التي تقف خلفه قبل أن ينعكس على ثقته بنفسه ودراسته وحياته الاجتماعية.
وغالباً ما تبدأ عزلة الطفل أحياناً بميل بسيط إلى الجلوس وحيداً أو الابتعاد عن اللعب مع أقرانه، وقد تتطور تدريجياً لتترك أثرها في تحصيله الدراسي وعلاقاته الاجتماعية وثقته بنفسه، ما يجعل الانتباه إلى التغيرات في سلوكه خطوة أساسية لفهم ما يمر به.
وتختلف الرغبة الطبيعية في قضاء بعض الوقت منفرداً عن العزلة التي تستمر وتتزايد وتترافق مع الخوف أو الحزن أو تجنب المدرسة والأنشطة الاجتماعية، إذ قد تحمل هذه المؤشرات أسباباً تحتاج إلى فهمها والتعامل معها مبكراً.
حذيفة.. حين بدأت المسافة تكبر
تروي رولا عمران، والدة الطفل حذيفة، لـ«العروبة»، أن ملامح العزلة بدأت تظهر على ابنها عندما كان في الثامنة تقريباً، إذ لاحظت ميله المتزايد إلى الابتعاد عن الآخرين وتراجعه تدريجياً عن المشاركة معهم.
وتوضح عمران أن سلوك ابنها تطور مع مرور الوقت وانعكس على حياته اليومية، إذ تراجع تحصيله العلمي وفقد بعض مهارات التواصل الاجتماعي، وبدأ يظهر كراهية للمدرسة ويحاول مراراً التهرب من الذهاب إليها.
وتشير إلى أنها تعاملت مع حالته بهدوء وتفهم، وشجعته على المشاركة من دون ضغط أو توبيخ، وتجنبت مقارنته بالأطفال الآخرين، وحاولت الوصول إلى أسباب ابتعاده من خلال منحه مساحة للتعبير عن أفكاره ومخاوفه.
وتكشف الأم أن الحوار مع حذيفة أظهر مروره بتجارب سلبية مع أقرانه جعلته أكثر شعوراً بالخجل والقلق، مؤكدة أن الاحتواء والدعم العاطفي وتوفير مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره من دون خوف من الحكم أو التوبيخ كانت من أكثر الأمور التي ساعدته.
«كانوا يسخرون مني»
يربط حذيفة، في حديثه لـ«العروبة»، ابتعاده عن أقرانه بالمواقف التي تعرض لها مع زملائه، موضحاً أن بعضهم كان يزعجه ويسخر منه، فيما كان يشعر بأنهم لا يفهمون طريقة لعبه ولا يشاركونه اهتماماته.
ويقول إنه لا يشعر بالسعادة عندما يكون وسط مجموعة كبيرة من الأطفال، ويفضل العودة إلى المنزل واللعب بمفرده، ويشير إلى أن اتفاق عدد من زملائه في الصف على السخرية منه ومن الأشياء التي يقوم بها كان من أكثر المواقف التي دفعته إلى التردد في الاختلاط والابتعاد عنهم.
ويؤكد حذيفة في الوقت نفسه استعداده لتكوين صداقات جديدة، موضحاً أن وجود صديق يفهمه ويشاركه اللعب والضحك من دون سخرية، وشعوره بأنه محبوب ومرغوب بين أقرانه، يمكن أن يشجعاه على التواصل واللعب معهم.
لماذا يختار الطفل العزلة؟
بدورها، توضح المرشدة النفسية عايدة رومية، في حديثها لـ«العروبة»، أن أسباب عزلة الأطفال متعددة، ومن أبرزها الخجل وضعف الثقة بالنفس والخوف من الخطأ أو التعرض للنقد والسخرية، إضافة إلى التنمر ورفض الأقران.
وتضيف رومية أن العزلة قد ترتبط أيضاً بالخلافات الأسرية أو القسوة والإهمال وانعدام العاطفة، والقلق الاجتماعي والخوف من تقييم الآخرين، إلى جانب صعوبات التعلم أو زيادة استخدام الأجهزة الإلكترونية على حساب التفاعل الاجتماعي.
متى تصبح العزلة مقلقة؟
وتبيّن أن ميل الطفل إلى اللعب بمفرده قد يكون طبيعياً عندما يبقى قادراً على التفاعل مع الآخرين عند الحاجة، ويحافظ على علاقات مناسبة مع أسرته ومعلميه والأطفال المحيطين به، ويواصل ممارسة هواياته وأنشطته المعتادة.
حذرت من أن العزلة تستدعي الانتباه عندما تصبح مستمرة أو متزايدة، وتترافق مع تجنب المدرسة والمناسبات والأنشطة، أو الخوف الشديد من التعامل مع الآخرين، أو الحزن وسرعة البكاء وفقدان الاهتمام باللعب والهوايات.
ولفتت إلى أن تكرار الشكوى من الصداع أو آلام البطن من دون سبب طبي واضح، وخصوصاً قبل الذهاب إلى المدرسة أو حضور المناسبات الاجتماعية، قد يكون من العلامات التي تستوجب انتباه الأسرة إلى الحالة النفسية للطفل.
الاستماع قبل الحكم
وأكدت رومية أن التعامل مع الطفل يبدأ بالاستماع إليه ومحاولة معرفة أسباب ابتعاده من دون استجواب أو لوم، وتقبّل شخصيته ومنحه الوقت الكافي للشعور بالأمان، مع تشجيعه ومدحه على أي محاولة للتواصل مهما كانت بسيطة.
وتنصح بإتاحة فرص للعب مع طفل أو طفلين بدلاً من دفعه مباشرة إلى مجموعات كبيرة، إلى جانب التعاون مع المدرسة لمعالجة أي حالة تنمر أو مشكلة يواجهها مع أقرانه.
كما شددت المرشدة على أهمية تعزيز نقاط قوة الطفل وتقدير إنجازاته ومحاولاته الصغيرة، وتعليمه مهارات التواصل والتعبير عن المشاعر، وتشجيعه على ممارسة الهوايات والأنشطة الجماعية التي يحبها.
ودعت رومية في ختام حديثها لـ “العروبة” إلى تجنب المقارنة والانتقاد والضغط على الطفل أمام الآخرين، والاستعانة بمختص عندما تستمر العزلة وتبدأ بالتأثير في نفسيته أو تحصيله الدراسي أو تفاصيل حياته اليومية.
ويكشف التغير في سلوك الطفل كثيراً مما قد يعجز عن التعبير عنه بالكلمات، فيما يساعد الاستماع إليه وتوفير بيئة آمنة وقائمة على القبول في فهم أسباب انسحابه، ودعمه لاستعادة ثقته بنفسه وبناء علاقاته مع المحيط بصورة تدريجية.