صمد 18 قرناً ونسف عام 1911.. حكاية نصب شمسيغرام المفقود في حمص

العروبة – خاص
تختزن حمص، أو «إيميسا» القديمة، شواهد تاريخية تعكس مكانتها السياسية والعمرانية خلال العصر الروماني، ويبرز بينها النصب التذكاري الجنائزي لعائلة شمسيغرام الملكية، الذي ظل قائماً لأكثر من 18 قرناً قبل اندثاره مطلع القرن العشرين، تاركاً رسومات وأوصافاً تاريخية تساعد على قراءة شكله وموقعه ودلالاته في المشهد العمراني للمدينة.
وأوضحت الباحثة التاريخية والناشطة الاجتماعية ورئيسة الجمعية العلمية التاريخية بحمص الدكتورة فيروز اليوسف، في حديث لـ«العروبة»، أن آل شمسيغرام كانوا سلالة ملكية من أصل عربي حكمت مدينة حمص «إيميسا» خلال العصر الروماني بعد تراجع النفوذ السلوقي في المنطقة.
لفتت اليوسف إلى أن نفوذ الأسرة امتد في مدينة حمص ووادي نهر العاصي، وارتبطت بروما بعلاقات وتحالفات، فيما كان لملوكها حضور سياسي وعسكري بارز في منطقة شرق المتوسط.
صرح يرتفع 25 متراً
وكشفت اليوسف أن ضريح شمسيغرام شُيد خلال القرن الأول الميلادي، بين عامي 78 و79 ميلادية، تخليداً للأسرة، وكان من أبرز معالم حمص القديمة بما حمله من خصائص معمارية جمعت بين التقاليد الشرقية والتقنيات الرومانية.
واوضحت أن النصب كان يقع غرب مدينة حمص القديمة، في المنطقة المعروفة تاريخياً بتل أبي صابون، بالقرب من محطة القطار وملعب خالد بن الوليد حالياً، وكان يرتفع نحو 25 متراً فوق سطح الأرض.
لفتت إلى أن البناء ارتكز على قاعدة مربعة متدرجة تعلوها قمة هرمية شاهقة، ما منحه شكلاً قريباً من الأبراج الجنائزية في تدمر، وجعله معلماً بارزاً يمكن رؤيته من مسافات بعيدة.
وأضافت أن جدران النصب تميزت بتناوب الأحجار البيضاء والسوداء وفق أسلوب «الأبلق»، إلى جانب استخدام تقنية البناء الشبكي الروماني، التي وصفتها بأنها من التقنيات النادرة في الشرق آنذاك، واعتمدت الخرسانة بأسلوب يعكس تأثيراً هندسياً رومانياً واضحاً.
وترى اليوسف أن إبقاء البناء الشبكي ظاهراً من دون تغطيته بالجص ربما حمل دلالة رمزية على قوة العلاقة التي ربطت عائلة شمسيغرام بالحكام الرومان والإمبراطورية التي مثلت القوة السياسية الكبرى في تلك المرحلة.
النصب وحدود «إيميسا»
وأكدت اليوسف أن قيمة النصب تمتد إلى ما يقدمه موقعه من مؤشرات تساعد على فهم حدود «إيميسا» القديمة وتطور امتدادها العمراني، إلى جانب قيمته التاريخية والمعمارية.
وأشارت إلى أن موقع حمص بين دمشق وحلب والساحل والبادية منحها أهمية تجارية كبيرة، وجعلها محطة رئيسية في حركة القوافل والتبادل التجاري، فيما شهدت المدينة مرحلة من الازدهار والتوسع العمراني مع صعود عائلة شمسيغرام وزواج جوليا دومنا من الإمبراطور سبتيموس سيفيروس.
كما أوضحت أن العمران امتد خارج التل الأثري «القلعة»، وظهرت أحياء سكنية وأسواق وفق التخطيط الشطرنجي الروماني، إلى جانب معالم دينية كبرى من بينها هيكل لإله الشمس، فيما حضرت المقبرة الملكية الكبرى والنصب الجنائزي لشمسيغرام ضمن المشهد العمراني للمدينة.
وأضافت اليوسف أن «إيميسا» اتخذت شكلاً شبه منحرف، وأحاط بها سور بلغ محيطه نحو 4200 متر، وضم أربعة أبواب رومانية هي باب الرستن وباب الشام وباب الجبل والباب الصغير.
وبينت أنه مع توسع المدينة وإعادة ترميم سورها ازداد عدد الأبواب، لتظهر لاحقاً أبواب أخرى أبرزها باب التركمان وباب السوق وباب السباع وباب هود وباب تدمر وباب الدريب، ما أسهم في تسهيل حركة السكان والقوافل وتمدد العمران خارج الأسوار.
ولفتت إلى أن موقع النصب الجنائزي، إلى جانب بقية الشواهد الأثرية، يوفر مادة لدراسة جغرافية «إيميسا» وحدودها العمرانية، إذ يقدم وجود نصب ملكي بهذا الحجم وفي ذلك الموقع مؤشرات حول توزع المنشآت الملكية والجنائزية في المدينة.
18 قرناً انتهت بالديناميت
واستذكرت اليوسف أن نصب شمسيغرام صمد لأكثر من 18 قرناً، وحافظ طوال تلك المدة على حضوره كأحد المعالم البارزة في حمص، قبل أن تقوم بلدية المدينة بنسفه بالديناميت عام 1911 بهدف توسيع الطريق والاستفادة من حجارته.
وصفت هدم النصب بأنه خسارة أثرية كبيرة لحمص، مشددة على أهمية توثيق ما بقي من رسومات وأوصاف تاريخية للمعلم، باعتبارها بيانات أساسية يمكن الاستناد إليها في الدراسات العلمية الرامية إلى قراءة الصرح وإعادة تصور هيئته.
استعادة المعلم في ذاكرة حمص

ورأت أن إحياء نصب شمسيغرام في الوقت الراهن يمكن أن يبدأ بجمع الوثائق التاريخية والرسومات والأوصاف المعمارية المتوافرة، ودراسة موقعه وإعداد تصور هندسي وأثري لشكله.
كما أكدت أن هذه الخطوات تتيح إعادة حضور المعلم في الذاكرة الثقافية لحمص، وتوفر مادة علمية تساعد على قراءة مرحلة مهمة من تاريخ «إيميسا» وإبراز الإرث العمراني الذي خلفته.
ختمت اليوسف بأن إعادة تسليط الضوء على نصب شمسيغرام تمثل محاولة لاستعادة جزء من تاريخ «إيميسا»، وربط حمص المعاصرة بالمراحل التاريخية التي تركت بصمتها في هويتها العمرانية والثقافية.
ويبقى اندثار النصب خسارة لصفحة مهمة من ذاكرة حمص التاريخية، فيما تحفظ الرسومات والروايات والوثائق المتبقية شواهد على المعلم الذي غابت حجارته، وتوفر أساساً لجهود علمية يمكن أن تعيد قراءة إرثه وتوثيقه وحفظ حضوره في ذاكرة المدينة وأجيالها المقبلة.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع