ما بعد الطلاق.. أطفال يدفعون ثمن الخلاف ومطلقات يواجهن أحكام المجتمع

العروبة – خاص

تتصدع الأسرة حين تتحول الخلافات المتراكمة إلى انفصال، لكن آثار الطلاق لا تتوقف عند انتهاء العلاقة الزوجية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للأم والأب والأبناء، وقد تترك على الأطفال آثاراً نفسية وسلوكية ودراسية، فيما تجد المطلقة نفسها في مواجهة نظرة اجتماعية لا تخلو، في كثير من الأحيان، من الأحكام المسبقة، وكأنها وحدها تتحمل مسؤولية انهيار أسرة كاملة.

أم تراقب تغير ابنها

تروي السيدة فاطمة لـ«العروبة» كيف تبدلت ملامح حياة ابنها بعد انفصالها عن والده، فذلك الطفل الذي اعتاد الانشغال بدروسه وأصدقائه، أصبح أكثر صمتاً وسرعة في الغضب، وأقل ميلاً إلى الحديث عما يشعر به.

وتقول: «في البداية كنت أعتقد أنه سيتجاوز الأمر مع الوقت، لكنني بدأت ألاحظ تغيراً واضحاً في دراسته وتصرفاته، وأحياناً كان يغضب لأسباب بسيطة ثم ينعزل لساعات».

وتضيف أن أصعب ما واجهته لم يكن قرار الانفصال بحد ذاته، بل مراقبة أثره على طفلها، موضحة أنها حاولت إبعاده عن الخلافات قدر الإمكان، وحرصت على طمأنته بأن ما حدث بين والديه ليس ذنبه، وأن علاقته بهما لن تتغير.

وتوضح تجربة السيدة فاطمة جانباً آخر من آثار الطلاق، إذ تجد الأم نفسها أمام مسؤوليات مضاعفة، بين تأمين احتياجات الأبناء ومتابعتهم نفسياً ودراسياً، ومحاولة تعويض الاضطراب الذي أحدثه تغير شكل الأسرة، في وقت قد تواجه فيه المطلقة ضغوطاً اجتماعية إضافية لا تقل وطأة عن أعباء الحياة الجديدة.

الابن.. أسئلة أكبر من عمره

ويصف آدم، الطفل ذو العشر سنوات، المرحلة من موقع الابن الذي وجد نفسه أمام واقع لم يختره، قائلاً: «بعد أن انفصل أبي وأمي، لم أفهم في البداية ماذا سيحدث، لكنني شعرت أن كل شيء تغير، لم أعد أعرف متى سأرى أبي، وكنت أفكر كثيراً بما سيحدث لنا».

ويتابع: «كنت أحاول ألا أظهر حزني أمام أمي، لكنني كنت أحياناً أشعر بالغضب من دون سبب، ولا أرغب في الحديث مع أحد، وحتى دراستي تأثرت، لأنني لم أعد أستطيع التركيز كما كنت من قبل».

ولا يختصر آدم أثر الانفصال بغياب أحد الوالدين عن المنزل، بل بما رافقه من شعور بأن الحياة التي اعتادها لم تعد ثابتة، وبأسئلة عن المستقبل والعلاقة مع والده ومصير الأسرة، وهي مخاوف قد لا يجد الطفل القدرة على التعبير عنها بوضوح.

ويصبح الطلاق، في هذه الحالة، شأناً لا يخص الزوجين وحدهما، إذ إن طريقة إدارة الانفصال وما يرافقها من خلافات أو صراعات قد تحدد إلى حد كبير حجم الأثر الذي يصل إلى الأبناء، خصوصاً عندما يصبح الطفل شاهداً على النزاع، أو طرفاً فيه، أو وسيلة للتواصل بين والديه.

الطفل ليس طرفاً في الخلاف

وبينت المرشدة النفسية سلام المصطفى، في حديثها لـ«العروبة»، أن استجابة الأبناء للطلاق تختلف تبعاً لأعمارهم وشخصياتهم وطبيعة العلاقة بين الوالدين وطريقة حدوث الانفصال، موضحة أن بعض الأطفال يعبرون عن الألم بالحزن والانطواء، بينما يظهر لدى آخرين على شكل غضب أو عدوانية أو عناد، وقد ينعكس أيضاً على الدراسة والنوم والتركيز.

أوضحت أن الطفل قد يحمل مشاعر ذنب لا أساس لها، فيعتقد أنه كان سبباً في الخلاف بين والديه، أو يشعر بأنه مطالب باختيار أحدهما، الأمر الذي يضعه في صراع عاطفي بين حبه لأبيه وأمه.

وأكدت أن التعامل مع الطفل بعد الطلاق يبدأ بإبعاده عن تفاصيل النزاع والاتهامات المتبادلة، وشرح الانفصال له بطريقة تتناسب مع عمره، مع التأكيد بوضوح أن قرار الطلاق يخص الكبار وليس مسؤولية الطفل، وأن حب الوالدين له لا يرتبط باستمرار زواجهما.

لفتت إلى أهمية الحفاظ، قدر الإمكان، على روتين الطفل اليومي ومدرسته وعلاقاته الاجتماعية، وإتاحة مساحة آمنة له للتعبير عن مشاعره ومخاوفه من دون لوم أو تخويف، مع الاستعانة بمختص نفسي عندما تستمر التغيرات السلوكية أو العاطفية وتبدأ بالتأثير في حياته اليومية.

 

عندما تصبح المطلقة موضعاً للحكم

أضافت المصطفى أن العبء لا ينتهي عند حدود الأسرة، فالمطلقة قد تجد نفسها أمام مجتمع ينظر إليها أحياناً من خلال صفة «مطلقة» قبل النظر إليها بوصفها إنسانة لها ظروفها وتجربتها ومسؤولياتها.

وتتحول بعض الأسئلة الاجتماعية إلى أحكام مسبقة، فتُحمّل المرأة مسؤولية الانفصال حتى في الحالات التي لا تتوافر فيها للآخرين معرفة حقيقية بأسباب انتهاء الزواج.

وتجد المطلقة نفسها أحياناً مطالبة بتقديم تفسيرات مستمرة عن قرار لم يكن بالضرورة قرارها وحدها، أو مواجهة نظرات تشكك في قدرتها على تربية أبنائها، أو افتراضات مسبقة حول شخصيتها وحياتها، بينما تحتاج في الواقع إلى بيئة اجتماعية تحترم خصوصيتها وتدعم قدرتها على بناء حياة مستقرة لها ولأطفالها.

بينت المصطفى أن مواجهة هذه النظرة لا تعني تجاهل الأسباب التي تقود إلى الطلاق، فالخلافات الزوجية قد تتعدد بين مشكلات التواصل وتراكم النزاعات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية واختلاف أساليب الحياة، وقد تتداخل أسباب أخرى تختلف من أسرة إلى أخرى.

وتؤكد لذلك أنه لا يمكن اختزال حالات الطلاق في سبب واحد، أو تحميل طرف واحد المسؤولية من دون معرفة تفاصيل كل حالة.

أسرة تتغير.. ومسؤولية لا تنتهي

وتختم المصطفى بالقول إن الطلاق يغير شكل الأسرة، لكنه لا يلغي مسؤولية الوالدين تجاه الأبناء، وبينما يحاول الأب والأم بدء مرحلة جديدة، يبقى الطفل بحاجة إلى الاستقرار والشعور بالأمان، وإلى أن يعرف أن انفصال والديه لا يعني انفصاله عن أحدهما.

وتبقى الطريقة التي يتعامل بها الوالدان مع مرحلة ما بعد الطلاق عاملاً أساسياً في حماية الأبناء من تبعات النزاع، فيما يشكل وعي المجتمع أيضاً جزءاً من هذه الحماية، عندما يتوقف عن محاكمة المطلقة وفق صفتها الاجتماعية، وينظر إلى التجربة باعتبارها شأناً إنسانياً وأسرياً معقداً لا يصح اختزاله في أحكام جاهزة.

وتتجاوز تداعيات الطلاق حدود اللحظة التي ينفصل فيها الزوجان، إذ تبدأ بعده مرحلة جديدة تعاد خلالها صياغة تفاصيل الحياة الأسرية، من مكان إقامة الأبناء وطبيعة علاقتهم بالوالدين، إلى المسؤوليات اليومية والالتزامات المعيشية والتربوية التي كانت موزعة سابقاً داخل الأسرة.

تزداد حساسية هذه المرحلة عندما يتزامن الانفصال مع استمرار الخلافات بين الوالدين، إذ قد ينتقل النزاع من العلاقة الزوجية المنتهية إلى تفاصيل رعاية الأطفال والتواصل معهم، ما يجعل الأبناء أكثر عرضة للتوتر وعدم الاستقرار، ولا سيما عندما يجدون أنفسهم في موقع الوسيط أو الطرف المطلوب منه الانحياز إلى أحد الوالدين.

وتتداخل الآثار الأسرية مع ضغوط اجتماعية تواجه المرأة بعد الطلاق، إذ قد تتحول حالتها الاجتماعية إلى معيار للحكم عليها أو التدخل في تفاصيل حياتها، في وقت تصبح فيه أكثر حاجة إلى الاستقرار والدعم، خصوصاً عندما تتحمل مسؤولية مباشرة عن رعاية الأبناء وتأمين احتياجاتهم اليومية.

ويطرح ذلك أهمية التعامل مع الطلاق بوصفه تحولاً في شكل الأسرة لا نهاية لمسؤولياتها، إذ تبقى حماية الأبناء واستمرار علاقة صحية ومتوازنة مع كلا الوالدين من أبرز التحديات بعد الانفصال، إلى جانب دور المحيط الاجتماعي في تخفيف الضغوط بدلاً من مضاعفتها.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع