العروبة – خاص
تحولت وجبة الطفل المدرسية خلال السنوات الأخيرة من سندويشة منزلية وزجاجة ماء إلى خيارات متعددة من علب الطعام «اللانش بوكس» وزجاجات المياه بأشكال وأسعار متفاوتة، لتتداخل الحاجة الغذائية لدى بعض الأسر مع اعتبارات الشكل والتقليد، ولا سيما مع انتشار صور الوجبات المرتبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتكشف جولة على المكتبات ومحال المستلزمات المدرسية عن تنوع كبير في تصاميم وأحجام هذه العلب والزجاجات، ما يمنح الأسر خيارات واسعة، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات حول الحاجة الفعلية إليها، والأعباء التي قد تضيفها في ظل تفاوت القدرة الشرائية.
وتحدثت إحدى الأمهات لـ«العروبة» عن تغير شكل وجبة المدرسة مقارنة بالسابق، موضحة أن السندويشة المنزلية وزجاجة الماء كانتا الأساس، بينما باتت بعض المستلزمات اليوم مرتبطة أيضاً بالمظهر وشكل علبة الطعام وطريقة تقديم الوجبة.
من الطعام إلى المظهر
وأوضحت المشرفة التربوية رنا جبر لـ«العروبة» أن التغيير من السندويشة إلى «اللانش بوكس» لا يرتبط بالسندويشة نفسها بقدر ما يتعلق بالمعنى المحيط بها، إذ كان الاهتمام سابقاً منصباً على توفير طعام يشبع الطفل ويمنحه الطاقة، بينما دخلت اليوم عناصر أخرى مثل تصميم «اللانش بوكس» ونوع العبوة والعلامة التجارية وطريقة ترتيب الطعام.
وأكدت ضرورة ألا ينتقل اهتمام الأسرة من صحة الطفل واحتياجاته إلى ما تعكسه مقتنياته عن وضع أسرته، مشيرة إلى أن انجذاب الطفل إلى الألوان والأشكال وتقليد أقرانه أمر طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح امتلاك غرض معين شرطاً لشعوره بالقبول والمساواة.
وبيّنت أن الطفل قد يتأثر عندما يشعر بأنه أقل من زملائه بسبب ما يملكه، أو يخجل من طعامه وأدواته، وقد يتطور الأمر في بعض الحالات إلى رفض الذهاب إلى المدرسة، ما يستدعي فهم دوافعه بدلاً من لومه على رغباته.
حين تتحول الفوارق إلى ضغط
وأشارت جبر إلى أن اختلاف الإمكانات المادية بين الأطفال أمر قائم، إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الفوارق إلى مقارنة أو سخرية أو تنمر، مؤكدة أهمية تعزيز ثقة الطفل بنفسه وإدراكه أن اختلاف الممتلكات لا يعني اختلاف القيمة أو الذكاء أو القدرات.
وشددت على دور الأسرة في مساعدة الطفل على التمييز بين الحاجة والرغبة، من خلال مناقشته في سبب اختياره للغرض، وما إذا كان يحتاج إليه فعلاً أم يطلبه لمجرد أن زملاءه يمتلكونه، مع البحث عن خيارات تؤدي الغرض نفسه وتتناسب مع إمكانات الأسرة.
ولفتت إلى أن الأمر لا يقتصر على «اللانش بوكس»، بل يمكن أن يشمل الملابس والحقائب والأحذية والهواتف والأدوات والطعام، عندما تتحول المقتنيات إلى معيار للمقارنة والحكم على الأطفال.
المدرسة في مواجهة التنمر
وأكدت جبر أن المدرسة لا تستطيع إلغاء الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الطلاب، لكنها تستطيع منع تحولها إلى تمييز أو تنمر أو إحراج، عبر تعزيز قيمة الطالب بأخلاقه ومعرفته وقدراته وليس بما يحمله من مقتنيات.
وأضافت أن الدور التربوي يتجاوز تعليم القراءة والحساب إلى بناء وعي اجتماعي ونفسي يساعد الطفل على التعامل مع المقارنة وتقدير ما لديه واحترام الآخرين، سواء امتلكوا أكثر منه أم أقل.
«اللانش بوكس» أداة لا معيار
وأكدت اختصاصية التغذية العلاجية حلا الكيال لـ«العروبة» أن «اللانش بوكس» ليس ظاهرة سلبية بحد ذاته، إذ يمكن أن يساعد على تنظيم وجبة الطفل وتنويع مكوناتها وجعل الطعام أكثر جاذبية، شرط ألا يطغى الاهتمام بالشكل على المحتوى الغذائي.
وأوضحت أن سعر العلبة أو شكلها وعدد أقسامها لا يحدد القيمة الغذائية للوجبة، فقد تكون علبة بسيطة تحتوي سندويشة مناسبة ومصدراً للبروتين وفاكهة وماء أكثر فائدة وملاءمة من علبة مرتفعة الثمن تضم أصنافاً لا يحتاجها الطفل أو لا يتناولها.
وبيّنت أن المعيار الأساسي يتمثل في محتوى الوجبة وتنوعها وملاءمتها للطفل وسهولة تناولها في المدرسة وسلامة حفظها ونقلها، وليس في سعر الوعاء أو مظهره.
السندويشة أم «اللانش بوكس»؟
وأشارت الكيال إلى أن «اللانش بوكس» ليس أفضل بالضرورة من السندويشة التقليدية، إذ تحدد جودة الوجبة مكوناتها ومدى ملاءمتها للطفل، ويمكن للسندويشة المحضرة بمكونات مناسبة أن تكون خياراً جيداً وعملياً وسهل التناول خلال الاستراحة.
وأضافت أن «اللانش بوكس» يوفر في المقابل فرصة لتنويع المكونات وتنظيمها، مؤكدة أن اختيار أحد الشكلين ينبغي أن يرتبط بحاجة الطفل وظروفه، لا بكون أحدهما أحدث أو أكثر انتشاراً.
وجبة بسيطة ومتوازنة
وأوضحت الكيال أن الاحتياجات الغذائية تختلف بحسب عمر الطفل وحالته الصحية ومستوى نشاطه ونظامه الغذائي خلال اليوم، إلا أن الوجبة المدرسية يمكن بصورة عامة أن تضم مصدراً مناسباً من النشويات أو الحبوب، ومصدراً للبروتين، مع الفاكهة أو الخضار بحسب المتاح وما يتقبله الطفل، إضافة إلى الماء للترطيب.
وشددت على أن الوجبة المدرسية ليست مطالبة بتغطية جميع احتياجات الطفل الغذائية، وإنما تشكل جزءاً من غذائه اليومي، لافتة إلى أهمية الانتباه إلى سلامة الأطعمة سريعة التلف وطريقة حفظها إذا بقيت ساعات داخل الحقيبة.
وتبقى وجبة المدرسة، بين السندويشة البسيطة و«اللانش بوكس» متعدد الأقسام، مرتبطة في المقام الأول بصحة الطفل وسلامة غذائه، إلى جانب دور الأسرة والمدرسة في حمايته من ضغوط المقارنة وتعزيز ثقته بنفسه، بعيداً عن جعل سعر مقتنياته أو شكلها معياراً لقيمته بين أقرانه.