العروبة – خاص
أكد الحقوقي المعتصم بالله الكيلاني، في حديث خاص لـ«العروبة»، أن إلغاء محكمة قضايا الإرهاب وإزالة مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عنها لا ينبغي النظر إليهما بوصفهما مجرد إلغاء تشريعي لمحكمة استثنائية، بل خطوة قانونية ضمن مسار معالجة الآثار الجزائية والمدنية والمالية التي ترتبت على أحكامها خلال السنوات الماضية.
وأوضح الكيلاني أن الأساس الدستوري لهذه الخطوة يتمثل، وفق قراءته، في المادة /48/ من الإعلان الدستوري السوري، التي نصت على إلغاء القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان، وإلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة.
وأشار إلى أن المادة /44/ تحظر إنشاء المحاكم الاستثنائية، فيما تؤكد المادة /43/ استقلال السلطة القضائية، معتبراً أن معالجة ملف المحكمة تتجاوز إنهاء وجودها القانوني إلى التعامل مع النتائج التي خلفتها أحكامها.
إلغاء المحكمة ومعالجة آثار الأحكام
وبيّن الكيلاني أن المسألة القانونية لا تتوقف عند إلغاء القانون رقم /22/ لعام 2012 الذي أُحدثت بموجبه محكمة قضايا الإرهاب، وإنما تمتد إلى إزالة النتائج التي أنتجتها الأحكام الصادرة عنها.
وأوضح أن إلغاء المحكمة ينهي وجودها القانوني، بينما يتجه إلغاء مفاعيل الأحكام، بحسب رؤيته، إلى معالجة آثار الماضي وإعادة المركز القانوني للمتضررين، قدر الإمكان، إلى الحالة التي كان ينبغي أن يكونوا عليها لولا الحكم الجائر.
ولفت إلى وجود فارق بين هذا المسار ومفهوم العفو العام، إذ يفترض العفو من حيث الأصل وجود حكم أو مسؤولية جزائية ثم يرتب المشرع سقوط العقوبة أو بعض آثارها، بينما ينطلق إلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة من معالجة الخلل الذي أصاب الحكم أو المنظومة التي أنتجته.
وأضاف أن مراجعة الأحكام الصادرة ضمن بيئة افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة ترتبط، وفق تقييمه، بالتزامات الدولة في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون، مستنداً إلى ما تكفله المادتان /14/ و/9/ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بشأن المحاكمة العادلة والحرية والأمان الشخصي.
رد الممتلكات وجبر الضرر
وأكد الكيلاني أن النص الدستوري أدرج صراحة «رد الممتلكات المصادرة» ضمن إلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة، معتبراً أن معالجة هذا الملف تتقاطع مع مبادئ الانتصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وبيّن أن مفهوم الجبر لا يقتصر، بحسب رؤيته، على إلغاء الحكم، بل يمكن أن يشمل وفق كل حالة رد الحقوق والممتلكات والتعويض وإعادة التأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار.
وشدد على أن العدالة الانتقالية لا تكتمل بمجرد شطب الحكم من السجلات، وإنما تستوجب معالجة الضرر المترتب عليه، وإعادة الحقوق إلى أصحابها كلما كان ذلك ممكناً.
وطالب بأن تنعكس عملية إلغاء المفاعيل بصورة فعلية على السجلات والجهات التي ترتبت لديها آثار قانونية استناداً إلى أحكام المحكمة، بما يشمل، بحسب كل حالة والنص التنفيذي النهائي، الأحكام ومذكرات البحث والتوقيف والقيود القضائية وقرارات الحجز والمصادرة ونقل الملكية.
ويأتي طرح الكيلاني بعد إقرار مجلس الشعب، في 16 أيلول 2026، بالإجماع مشروع قانون إلغاء محكمة الإرهاب وإبطال مفاعيلها، فيما ينص المشروع، بحسب ما أعلنته عضو مجلس الشعب نور عربو، على تشكيل لجان قضائية مختصة من مجلس القضاء الأعلى لمعالجة مفاعيل الأحكام، بما فيها رد الممتلكات المصادرة، والتعامل مع الدعاوى القائمة بحسب حالتها.
التعميم /12/ وتوثيق ملفات المتضررين
وأشار الكيلاني إلى أهمية التعميم رقم /12/ لعام 2026، الذي عدّ حالات من بينها الاعتقال القسري والملاحقة الأمنية والحكم الغيابي الصادر عن محكمة قضايا الإرهاب، وإذاعة البحث أو مذكرة التوقيف الصادرة لصالحها، والتوقيف بسبب النشاط الثوري، من الظروف القسرية التي يمكن أن يترتب عليها وقف سريان المدد القانونية عندما تحول فعلياً دون ممارسة الضحية حقها في التقاضي، وهو ما تؤكده صيغة التعميم المنشورة رسمياً.
ونصح أصحاب الحقوق وذويهم بتوثيق ملفاتهم القانونية بصورة كاملة، وجمع أرقام الدعاوى والأحكام وصورها وقرارات الاتهام إن وجدت، ومذكرات البحث والتوقيف ووثائق الاعتقال والإفراج وقرارات الحجز والمصادرة والوكالات والوثائق المدنية، إلى جانب سندات الملكية والقيود العقارية القديمة والحديثة.
وأوضح أن ملفات العقارات تحتاج بصورة خاصة إلى تحديد الوضع القانوني الحالي لكل عقار، وما إذا كان الإجراء اقتصر على الحجز، أو صدر حكم بالمصادرة، أو انتقلت الملكية إلى الدولة، أو جرى لاحقاً نقلها إلى طرف آخر، لما لذلك من أثر في تحديد الآلية القانونية اللازمة لاستعادة الحق.
المساءلة عن الانتهاكات
وشدد الكيلاني على ضرورة أن تكون إجراءات استعادة الحقوق بسيطة وسريعة ومتاحة للضحايا وورثتهم، وألا يتحمل المتضرر عبء خوض مسار قضائي طويل لإثبات ظلم حكم قرر الإطار الدستوري إزالة مفاعيله، وفق تعبيره.
ودعا إلى إيجاد آلية واضحة لمعالجة الحالات التي يتعذر فيها الرد العيني للممتلكات، بما يضمن للمتضرر سبل الانتصاف والجبر المناسبة وفق القانون.
وأكد ضرورة التمييز بين إلغاء الحكم والمساءلة عن الانتهاكات التي رافقت الاعتقال والتحقيق والمحاكمة، موضحاً أن إلغاء الحكم لا يمحو بذاته المسؤولية القانونية المحتملة عن أفعال مثل التعذيب أو الاختفاء القسري أو الاحتجاز التعسفي أو الاستيلاء غير المشروع على الأموال، متى توافرت عناصرها وشروط المسؤولية القانونية عنها.
وختم الكيلاني حديثه بالتأكيد أن ملفات محكمة قضايا الإرهاب يمكن أن تسلك مسارين متوازيين، يتعلق الأول برد الحقوق وإلغاء المفاعيل القانونية للأحكام الجائرة، فيما يرتبط الثاني بالمساءلة الفردية، وفق الأصول وضمانات المحاكمة العادلة، عن الانتهاكات والجرائم التي قد تكون ارتُكبت بحق الضحايا.
وأكد أن الاختبار الفعلي للتشريع، من وجهة نظره، لن يقتصر على إلغاء اسم محكمة قضايا الإرهاب من المنظومة القانونية، بل في قدرته على إزالة آثار أحكامها بصورة ملموسة، ورد الممتلكات المصادرة، وتصحيح السجلات والقيود، وإعادة الاعتبار للمتضررين وتمكينهم من الوصول إلى سبل انتصاف فعالة.
وكان أقر مجلس الشعب السوري إلغاء قانون إحداث محكمة قضايا الإرهاب وإنهاء المفاعيل القانونية للأحكام الصادرة عنها، وأسند إلى مجلس القضاء الأعلى مهمة معالجة تلك المفاعيل وإلغائها، بما يفتح المجال أمام تسوية الآثار القانونية والقضائية المترتبة على الأحكام السابقة.
وشمل القرار إعفاء المحكومين من الرسوم والضرائب المرتبطة بإجراءات إعادة الملكيات التي صودرت بموجب أحكام محكمة قضايا الإرهاب ومحاكم الميدان العسكرية والمحاكم العسكرية، في خطوة تستهدف تسهيل استعادة الحقوق ومعالجة الآثار المالية والقانونية للمصادرات.
المزيد...