من الخمول إلى العزلة والنوم المفرط.. مختص يوضح لـ«العروبة» علامات الاكتئاب الموسمي وسبل الوقاية

العروبة – خاص

يترافق قدوم فصل الخريف لدى بعض الأشخاص مع تغيرات في المزاج ومستوى النشاط والرغبة في التواصل، بالتزامن مع تراجع ساعات النهار وانخفاض التعرض لأشعة الشمس، فيما يمر آخرون بهذه المرحلة من دون تأثير يُذكر.

ويُعد بعض الخمول أو انخفاض المزاج العابر أمراً قد يترافق مع تبدل الفصول، إلا أن استمرار الأعراض وتأثيرها في الحياة اليومية قد يشيران إلى اضطراب عاطفي موسمي، يستدعي الانتباه والتقييم من قبل مختص.

وأوضح المعالج النفسي مصطفى مخزوم، الحاصل على ماجستير في علم النفس، في تصريح لـ«العروبة»، أن الانتقال من الصيف إلى الخريف قد يترافق لدى بعض الأشخاص مع تغيرات في المزاج والنشاط.

ولفت إلى أن الحالة قد تتطور لدى البعض إلى ما يُعرف بـ«الاضطراب العاطفي الموسمي» أو «اكتئاب الخريف والشتاء»، وهو نمط من الاكتئاب يرتبط زمنياً بموسم معين، وغالباً ما يبدأ في الخريف أو الشتاء ويتحسن مع حلول الربيع والصيف.

بين الحزن العابر والاضطراب الموسمي

وبيّن مخزوم أن التقلبات المزاجية البسيطة التي ترافق تبدل الفصول لا تعني بالضرورة الإصابة بالاكتئاب، إذ يستطيع الشخص خلالها متابعة حياته اليومية ودراسته وعمله وعلاقاته بصورة طبيعية.

وأشار إلى أن الاضطراب العاطفي الموسمي يؤثر بصورة أوضح في الأداء اليومي ومستوى النشاط والعلاقات الاجتماعية، ما يميزه عن التغيرات المزاجية العابرة.

وأوضح أن تشخيص الاضطراب الموسمي لا يعتمد على ظهور الأعراض مرة واحدة، وإنما يُنظر إلى تكرارها خلال الفترة نفسها من العام، إذ يشترط عادة وجود نمط موسمي متكرر على مدى عامين متتاليين أو أكثر، مع مراعاة التقييم الطبي والنفسي لكل حالة.

لماذا يؤثر الخريف في الحالة النفسية؟

وذكر مخزوم أن تأثير الخريف والشتاء في الحالة النفسية يرتبط بتراجع ساعات النهار وانخفاض التعرض للضوء الطبيعي، الأمر الذي قد يؤثر في الساعة البيولوجية المسؤولة عن تنظيم النوم والاستيقاظ.

وأضاف أن الضوء يرتبط بتنظيم مواد كيميائية وهرمونات لها علاقة بالنوم والمزاج، من بينها السيروتونين والميلاتونين، وقد ينعكس تغير مستوياتها لدى بعض الأشخاص على النشاط والحالة النفسية.

وأوضح أن هذه التغيرات قد تظهر على شكل خمول ونعاس وتراجع في الطاقة والدافعية، ولا سيما لدى الأشخاص الذين لديهم قابلية سابقة للإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي.

الشباب والنساء أكثر عرضة

وذكر مخزوم أن الاضطراب العاطفي الموسمي غالباً ما يظهر في مرحلة الشباب، ولا سيما خلال فترة الشباب المبكر، مع إمكانية ظهوره أيضاً لدى الأطفال والمراهقين وكبار السن.

وأشار إلى أن الدراسات تُظهر أن النساء أكثر عرضة للإصابة به من الرجال، مع اختلاف معدلات الانتشار بين الدراسات والمجتمعات.

أعراض قد تميز الاكتئاب الموسمي

وحدد مخزوم مجموعة من العلامات التي قد ترافق النمط الشتوي من الاضطراب العاطفي الموسمي، رغم تشابه بعض أعراضه مع الاكتئاب غير المرتبط بالفصول.

وذكر أن الأعراض قد تشمل النوم لساعات أطول من المعتاد وصعوبة الاستيقاظ صباحاً، وزيادة الشهية، ولا سيما تجاه الحلويات والأطعمة الغنية بالكربوهيدرات، إضافة إلى زيادة الوزن خلال أشهر الخريف والشتاء.

وأضاف أن الشعور بالخمول وثقل الأطراف وانخفاض مستوى الطاقة، وفقدان الاهتمام ببعض الأنشطة اليومية، والميل إلى العزلة وتقليل التواصل الاجتماعي، تعد أيضاً من الأعراض التي قد تظهر لدى المصابين.

وبيّن أنه في الوقت الذي قد ترتبط فيه بعض أنماط الاكتئاب بالأرق وفقدان الشهية ونقص الوزن، يميل النمط الموسمي الشتوي لدى بعض المرضى إلى النوم المفرط وزيادة الشهية والوزن.

الأطفال والمراهقون.. أعراض قد تمر دون انتباه

ونوه مخزوم إلى أن اكتشاف الاضطراب لدى الأطفال والمراهقين قد يكون أكثر صعوبة، لأن بعض الأعراض يمكن أن تُفسر على أنها سلوكيات مرتبطة بالمرحلة العمرية.

وأشار إلى أن ظهور تغيرات واضحة ومستمرة يستدعي الانتباه، ومن أبرزها التراجع المفاجئ في المستوى الدراسي أو القدرة على التركيز، وسرعة الغضب والتهيج، والانسحاب من الأنشطة المدرسية والعائلية.

وأضاف أن صعوبة الاستيقاظ والالتزام بالدوام المدرسي قد تكون أيضاً من العلامات التي تستدعي المتابعة، ولا سيما عند ترافقها مع تغيرات أخرى مستمرة في المزاج والسلوك.

الخريف والضغوط اليومية.. عوامل متداخلة

وأوضح مخزوم أن تغير المزاج خلال الخريف لا يرتبط بقصر النهار وحده، إذ يتزامن هذا الفصل مع العودة إلى المدارس والجامعات والعمل بعد فترة الصيف، وما يرافق ذلك من تغير في الروتين اليومي وزيادة الالتزامات.

وأضاف أن قضاء فترات أطول داخل المنازل والمكاتب، إلى جانب انخفاض النشاط البدني والتواصل الاجتماعي لدى بعض الأشخاص، قد يزيد من حدة الأعراض لدى من لديهم قابلية للإصابة بالاضطراب الموسمي.

 

الوقاية تبدأ مع بداية الخريف

وأكد مخزوم أن بعض العادات اليومية قد تساعد في تخفيف الأعراض أو الحد من تفاقمها، ولا سيما لدى الأشخاص الذين سبق أن عانوا من أعراض موسمية متكررة.

ونصح بالتعرض للضوء الطبيعي صباحاً والخروج إلى الهواء الطلق قدر الإمكان، إلى جانب ممارسة المشي أو أي نشاط بدني منتظم لمدة تقارب 30 دقيقة في معظم أيام الأسبوع.

ودعا إلى الحفاظ على مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ، وتجنب السهر الطويل والنوم المفرط خلال النهار، مع الحرص على التواصل مع العائلة والأصدقاء وعدم الاستسلام للعزلة.

وشدد على أهمية التخطيط لأنشطة اجتماعية وحركية خلال أشهر الخريف والشتاء، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من العلاج الضوئي عند الحاجة وتحت إشراف طبي مختص.

وأوضح أن الأشخاص الذين تتكرر لديهم الإصابة بالاضطراب الموسمي يمكنهم مناقشة خطة وقائية مع الطبيب قبل بدء الأعراض، وقد يُنصح في بعض الحالات بالعلاج الضوئي بالتزامن مع بداية انخفاض ساعات النهار.

متى تصبح المساعدة المتخصصة ضرورية؟

ونصح مخزوم بمراجعة اختصاصي نفسي عندما تستمر مشاعر الحزن أو الخمول أو فقدان الاهتمام لأكثر من أسبوعين، أو عندما تبدأ الأعراض بالتأثير في الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية.

وشدد على أن ظهور مشاعر يأس شديدة أو أفكار تتعلق بإيذاء النفس يستدعي تقييماً ومساعدة طبية فورية، وعدم تأجيل طلب الدعم المتخصص.

وأشار إلى أن وجود تاريخ شخصي أو عائلي للاكتئاب أو الاضطراب ثنائي القطب قد يرتبط بزيادة قابلية الإصابة بنوبات اكتئابية موسمية لدى بعض الأشخاص، ما يجعل مناقشة الأعراض والتخطيط المبكر مع الطبيب أمراً مهماً.

بين الاكتئاب الموسمي وغير الموسمي

وأوضح مخزوم أن الفرق الأساسي بين الاضطراب العاطفي الموسمي والاكتئاب غير المرتبط بالمواسم يتمثل في توقيت ظهور الأعراض ونمط تكرارها.

وبيّن أن الاضطراب الموسمي يظهر بصورة منتظمة خلال فترة معينة من السنة، وغالباً في الخريف والشتاء، ثم يتحسن مع تغير الموسم، بينما يمكن للاكتئاب غير الموسمي أن يظهر في أي وقت من العام دون ارتباط مباشر بتبدل الفصول.

وأضاف أن النمط الموسمي الشتوي قد يترافق مع النوم المفرط وزيادة الشهية والوزن والخمول، في حين يمكن أن تظهر في أنماط أخرى من الاكتئاب أعراض مختلفة، مثل الأرق أو فقدان الشهية أو نقص الوزن.

وأكد أن الأعراض تختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن الاعتماد على عرض واحد لتشخيص الحالة، إذ يتطلب الأمر تقييماً متكاملاً من المختص.

خطوات مبكرة قبل ظهور الأعراض

ونوه مخزوم إلى إمكانية اتخاذ إجراءات وقائية قبل ظهور الأعراض، ولا سيما لدى الأشخاص الذين تتكرر لديهم خلال فصلي الخريف والشتاء.

ونصح بالبدء منذ نهاية الصيف أو مطلع الخريف بتنظيم النوم، وزيادة التعرض للضوء الطبيعي صباحاً، وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على التواصل الاجتماعي.

وأشار إلى أن الخروج صباحاً لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة والاستفادة من ضوء النهار، إلى جانب المشي المنتظم وتنظيم مواعيد النوم، يمكن أن يكون جزءاً من الروتين الوقائي، فيما ينبغي اللجوء إلى العلاج الضوئي أو أي علاج آخر بناءً على تقييم الطبيب المختص.

ويبقى الشعور بالخمول أو انخفاض المزاج مع قدوم الخريف عابراً لدى كثيرين، إلا أن استمرار الأعراض وتحولها إلى عائق أمام الحياة اليومية يستدعي الانتباه، إذ يساعد التعرف المبكر إلى النمط الموسمي والحفاظ على النشاط والتعرض للضوء الطبيعي والتواصل الاجتماعي، إلى جانب طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة، في التعامل مع الأعراض خلال أشهر الخريف والشتاء.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: 32 ميدالية سورية في البطولة العربية لرفع الأثقال وحمص الفداء يستعد للاستحقاق الآسيو... محافظ حمص يبحث مع إدارة التعاون الدولي أولويات الدعم الخدمي والتنموي في المحافظة اقتصاد العروبة: استقرار الدولار رسمياً وانخفاض الذهب ومشاريع صناعية جديدة في حسياء حي الخالدية يواجه تحديات النظافة.. شكاوى من تأخر ترحيل النفايات والرمي العشوائي عضو مجلس الشعب نور عربو لـ«العروبة»: الاختلاف ليس المشكلة وتحويله إلى تحريض يهدد التماسك المجتمعي القنيطرات بريف حمص الشرقي.. غياب مياه الشرب وأضرار البنية التحتية تزيد معاناة الأهالي أثر الكلمة لا ينتهي عند الشاشة.. ماذا يفعل خطاب الكراهية بالصحة النفسية؟ بين ضغوط المعيشة والتواصل الرقمي.. كيف نحافظ على صلة الرحم؟ مديرية صحة حمص توضح لـ«العروبة» أسباب إغلاق مشفى النهضة والإجراءات المطلوبة لإعادة افتتاحه ثمانية عقود استثمارية لتنشيط المنطقتين الحرتين في التنف واليعربية على مساحة 625 ألف متر مربع